
إن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تحولت إلى «حرب سرديات» أو «حرب إدراك». فلا يوجد انتصار استراتيجي حقيقي على الأرض، ومع ذلك يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحديث عن تحقيق نصر كبير. بل إنه يقول إن هذا النصر الكبير لا يكفي، وإنه يريد المزيد. ويبدو أن هذا السلوك من ترامب يرتبط بالسياسة الداخلية أكثر من أي شيء آخر.
تستمر بين الولايات المتحدة وإيران لعبة شد الحبل؛ إنها منافسة من نوع «من يستطيع تحمل المزيد من الألم؟». من سيتراجع أولًا؟ ومن سيرمش أولًا؟ ترامب ينتظر استسلام إيران، بينما تعمل طهران على اختبار قدرة الولايات المتحدة على التحمل من خلال استخدام إغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية.
ولا تقتصر التداعيات الاقتصادية المحتملة لإغلاق مضيق هرمز على الولايات المتحدة وحدها، بل تمس العالم بأسره بشكل مباشر. هذا دون الحديث عن حجم الأضرار التي قد تنجم عن تداخل هذه التداعيات مع احتمال إقدام قوات الحوثيين في اليمن على إغلاق مضيق باب المندب.
ويشير الوضع الراهن إلى أن النتائج التي حققتها الولايات المتحدة تختلف عما كانت تأمله. فواشنطن، التي كانت تتوقع استسلامًا سريعًا وسهلًا، ربما حققت بعض النجاحات العسكرية التكتيكية، لكنها خسرت استراتيجيًا. وكمن يجد نفسه يجدف وسط مستنقع، لا تستطيع الولايات المتحدة التقدم إلى الأمام ولا العودة إلى الخلف.
وقد قال أحد كبار منظري الاستراتيجية العسكرية الكلاسيكية، كارل فون كلاوزفيتز: «لا تخطُ الخطوة الأولى قبل أن تفكر في الخطوة الأخيرة». ويبدو أن ترامب توهم أن الخطوة الأولى وحدها كافية لتحقيق النصر. غير أن الحرب، منذ اللحظة التي تبدأ فيها، تكتسب وجهًا مختلفًا. وهذا الوجه يتغير باستمرار؛ فهو يشبه «بروتيوس» في الأساطير اليونانية القديمة، إذ يتحول إلى شيء آخر في اللحظة التي تظن أنك أمسكت به، فيفلت من بين يديك.
في الواقع، يكرر ترامب أوجه الضعف نفسها التي أظهرها الرؤساء الأمريكيون في حروب الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق وليبيا وغيرها. فرغم الدور التدميري الذي لعبته الولايات المتحدة في تلك الحروب، فإنها لم تحقق النتائج السياسية التي سعت إليها. وقد امتنعت تلك الإدارات عن الاعتراف بالخسائر، واستمرت في التصعيد، ما أدى إلى تكبد المزيد من الأضرار. كما أن المفاوضات التي أجرتها مع القوى المتحاربة كانت محكومة بوهم «النصر الحاسم ذي المحصلة الصفرية». ويبدو أن ترامب وقع هو الآخر في هذا الوهم.
وهناك مقولة شهيرة تقول: «الأمريكيون يفعلون الصواب، ولكن بعد استنفاد جميع الخيارات السيئة». والرؤساء الذين خاضوا الحروب قبل ترامب لم يلجؤوا إلى الخيار الصحيح إلا بعد أن استنفدوا كل البدائل الخاطئة، ولم يعد أمامهم خيار آخر. وهذا ما حدث في فيتنام والعراق وأفغانستان.
فالحرب ليست مسألة «كل شيء أو لا شيء». والحروب التي لا تستند إلى أهداف سياسية وعسكرية واقعية قد تتحول إلى مستنقع بالنسبة لمن يبدأها. أما الأضرار الإنسانية الناجمة عن الاعتقاد الخطير بأن الانتصار الحاسم يمكن تحقيقه عبر النجاحات العسكرية وحدها، فلا يمكن تعويضها.
وكان أحد العوامل التي ساهمت في فوز باراك أوباما في انتخابات عام 2008 هو وعده بإنهاء الحرب في العراق. فقد كان الرأي العام الأمريكي يريد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، واختار أوباما هذا المطلب الشعبي ليكون أحد أبرز شعارات حملته الانتخابية.
ترامب ليس شخصًا ساذجًا؛ فهو يعلم أن الرأي العام الأمريكي يريد إنهاء هذه الحرب التي اندلعت من أجل المصالح الإسرائيلية. لكنه لا يمتلك شخصية قادرة على تقبل التراجع أو الانسحاب. وعلى الرغم من وجود مؤشرات مقنعة على أن الاستراتيجية المتبعة في الحرب ضد إيران لا تحقق أهدافها، فإنه يفضل الاستمرار في المجازفة. كما أن التصورات المسبقة بشأن قوة الولايات المتحدة تشجع ترامب على مواصلة هذا الرهان.
ومن جهة أخرى، يتعرض ترامب لضغوط من اللوبي الإسرائيلي والدوائر المرتبطة به. كذلك لا ينبغي أن ننسى أنه محاط بصقور يرون ضرورة استمرار الحرب ما دامت تكاليفها قابلة للتحمل. أما إعلانه أن كلفة الحرب بالنسبة للأمريكيين ما تزال محتملة، وأن إيران باتت على وشك الانهيار، فليس سوى خطاب دعائي.
ولا تزال الأضرار السياسية التي نتجت عن بطء الولايات المتحدة في التخلي عن الاستراتيجيات الخاسرة في حروبها السابقة موضع نقاش حتى اليوم. ويرى دعاة السياسة الخارجية الواقعية أن الدولة التي تخوض حربًا ينبغي أن تتبنى الاستراتيجيات الأكثر احتمالًا لتحقيق النجاح، وأن تستفيد من حالات الصراع عندما تكون المكاسب المتوقعة أكبر من التكاليف. أما إذا كان العكس هو الصحيح، فعلى الدول أن تتخلى بسرعة عن الاستراتيجيات الخاسرة.
ويُعد افتراض «النصر الحاسم ذي المحصلة الصفرية» جزءًا من الثقافة العسكرية الأمريكية. وهذا الافتراض القائم على أحكام مسبقة يقترن بإيمان أعمى بأن الولايات المتحدة قادرة على حل أي مشكلة في أي مكان من العالم. وهو ما يدفعها إلى التدخل في صراعات يستحيل عليها الفوز بها، أو إلى اتباع استراتيجيات ضئيلة فرص النجاح. وكما يظهر من المثال الإيراني، فإن الولايات المتحدة ما زالت تتعلم الخيار الصحيح بالطريقة الصعبة.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة