مآسي الدول الصغيرة

08:0713/01/2026, Salı
تحديث: 14/01/2026, Çarşamba
عبدالله مراد أوغلو

أُنشئت الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية تحديدًا لوضع قواعد تمنع تكرار ما فعله ترامب بفنزويلا. أما اليوم فنحن نعيش مرحلة يتهاوى فيها النظام الدولي الليبرالي القائم على القواعد والقانون الدولي، وقد فقد فعاليته. إفلات إسرائيل الإباديّة من العقاب، ثم التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، واختطاف رئيس الدولة وزوجته علنًا من غرفة نومهما، شكلا آخر المسامير التي دُقت في نعش هذا النظام. كنت قد شبهت التدخل الأميركي في فنزويلا بتدخل إمبراطورية أثينا عام 416 قبل الميلاد في جزيرة ميلوس، وهي دولة-مدينة

أُنشئت الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية تحديدًا لوضع قواعد تمنع تكرار ما فعله ترامب بفنزويلا. أما اليوم فنحن نعيش مرحلة يتهاوى فيها النظام الدولي الليبرالي القائم على القواعد والقانون الدولي، وقد فقد فعاليته. إفلات إسرائيل الإباديّة من العقاب، ثم التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، واختطاف رئيس الدولة وزوجته علنًا من غرفة نومهما، شكلا آخر المسامير التي دُقت في نعش هذا النظام.

كنت قد شبهت التدخل الأميركي في فنزويلا بتدخل إمبراطورية أثينا عام 416 قبل الميلاد في جزيرة ميلوس، وهي دولة-مدينة صغيرة رفضت الخضوع لها. كان الميلوسيون، بسذاجتهم ومثاليتهم، يأملون أن تتعامل أثينا معهم بعدل وإنصاف. أما الأثينيون، فكانت المسألة بالنسبة إليهم مسألة قوة غاشمة، حيث تبتلع السمكة الكبيرة السمكة الصغيرة. وقد أشار الراحل جميل مريش في أحد كتبه إلى هذه الحقيقة بقوله: "القانون، في نظر الأوروبي، منذ اليونان القديمة، شبكة عنكبوت تمزّقها الذبابات الكبيرة وتعلق بها الصغيرة". واليوم يقف العالم على عتبة العودة إلى شريعة الغاب.


الإفلات من العقاب أمر مُحرّض. فالثقة بعدم المحاسبة تُنمّي أسوأ ما في الإنسان وتسمح له بالازدهار. تجاهل إسرائيل لقواعد الأمم المتحدة لعقود طويلة، وعجز رعاة النظام الدولي المزعوم في الغرب عن مواجهتها، قادا إسرائيل إلى ارتكاب الإبادة الجماعية. وهذا الشعور بـ«الإفلات من العقاب» وصل اليوم إلى حدود الغرب نفسه. فترامب يهدد كندا، العضو في الناتو ومجموعة السبع، كما يهدد غرينلاند التابعة للدنمارك، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.


والحال أن الولايات المتحدة شريكة مع كندا في الناتو ومجموعة السبع، وشريكة مع الدنمارك في الناتو أيضًا. لكن ترامب ينتظر من كندا والدنمارك الخضوع للولايات المتحدة، سواء طوعًا أو بالقوة. وهذه الوقائع الحديثة ليست سوى نماذج جديدة لمآسي الدول الصغيرة، على غرار ما حلّ بشعب ميلوس قبل نحو 2500 عام. وكما قال الروائي الأميركي الحائز على نوبل ويليام فوكنر: «الماضي لا يموت أبدًا، بل إنه ليس ماضيًا أصلًا»، وهي عبارة تعبّر بدقة عن هذه الحقيقة.


تعمد وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة والعالم الغربي إلى عرض اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته بشكل مضلل. فقد تبيّن أن هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي طلبت من موظفيها عدم استخدام تعبير «اختُطف» بحق مادورو. وبدلًا من ذلك يستخدمون عبارات مثل "أُلقي القبض عليه" أو "تمت السيطرة عليه". وكما أنهم لا يستطيعون وصف الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزة بأنها «إبادة جماعية»، فإنهم يعجزون كذلك عن وصف اختطاف مادورو وزوجته بأنه "اختطاف". إن وقاحة الإعلام الغربي لا حدود لها.


أما عنوان المقال الذي نشره مجلس تحرير صحيفة واشنطن بوست في الثالث من كانون الثاني/يناير فكان «العدالة في فنزويلا». وجاء في المقال أن ما تعرّض له مادورو يحمل رسالة مهمة «لصغار الديكتاتوريين» في أميركا اللاتينية والعالم. وأضاف المقال: «ترامب عرض على مادورو عدة مخارج. كان بإمكانه أن يتقاعد ويعيش حياة مترفة في موسكو أو مينسك. لكنه بدلًا من ذلك، من المرجح أن يموت في السجن. كان هذا أكبر سوء تقدير في التاريخ». وهكذا جرى الاعتراف صراحة بأن مادورو، الذي يُدّعى أنه "ناركو-إرهابي"، كان سيُكافأ بدل أن يُعاقَب لو أنه خضع لترامب.


يعلم الجميع أن القضية لا علاقة لها بالمخدرات. فقد أشار مقال واشنطن بوست إلى أن مادورو كان لسنوات رمزًا لـ«الدفء الزائف للجماعية في أميركا اللاتينية»، ثم خلص إلى القول: «الآن يجب أن يقضي ما تبقى من حياته في سجن أميركي إنساني». وهذه العبارة بحد ذاتها اعتراف بأن الولايات المتحدة أعلنت حربًا على الجماعية في أميركا اللاتينية. فبينما يدافع ترامب عن الحمائية داخل الولايات المتحدة تحت شعار «أميركا أولًا»، يُطلب من أميركا اللاتينية عكس ذلك تمامًا؛ أي أن تكون منبوذة في النظام الاقتصادي النيوليبرالي.


يقول ترامب والساسة الداعمون له صراحة إن الدور بعد فنزويلا سيأتي على كوبا وإيران. وهذا دليل على أن «مبدأ مونرو»، الذي تحوّل إلى ما يشبه «عقيدة دونرو»، لم يعد مقتصرًا على نصف الكرة الغربي. فإذا كانت الولايات المتحدة ترى نفسها أقوى دولة في العالم، أو «شرطي العالم»، فلماذا تقيّد نفسها بنصف الكرة الغربي أصلًا؟


يحفر ترامب بالحراب، ويبدو أنه سيواصل الحفر ما لم يصطدم بصخرة. فمنذ ولايته الأولى، تُظهر ممارساته أنه يفضّل التدخلات منخفضة المخاطر. ويبدو أن ترامب يعتقد أن النزاعات القصيرة والعنيفة، أو الهجمات الخاطفة والشديدة، تحقق بأقل كلفة ممكنة وترفع رصيده السياسي. غير أن التاريخ العسكري مليء بالأمثلة التي تُظهر أن مثل هذه الهجمات قد تؤدي أيضًا إلى تصعيد الحروب بدل احتوائها.

#مادورور
#الأمم المتحدة
#النظام العالمي
#ترامب
#اختطاف مادورور