
إن سياسة الولايات المتحدة في عهد ترامب تجاه «غرينلاند» تُعدّ النموذج الأوضح لفهم الخيال الأمريكي المتعلق بـ«العالم الجديد» و«النظام الجديد»، كما تكشف البنية العميقة، أو «الميتابوليزم» الذي يقف خلف هذا التصور.فهذه السياسة لا تشرح غرينلاند وحدها، بل تضيء في الوقت نفسه على فنزويلا، وإسرائيل وفلسطين، وسوريا، وربما إيران، وتفسّر بدرجة أكبر أوروبا وأوكرانيا وروسيا، فضلًا عن الأهداف الأمريكية المتوسطة المدى.
هذا المقال يُعدّ فصلًا فرعيًا من مقال سابق بعنوان «ساعة المفترس» (25/10)، وهو محاولة لقراءة التطبيق العملي والبعد غير المعلن و«روح» وثيقة «استراتيجية الأمن القومي الأمريكي – 2025».
أولًا: إن جميع الدوافع التي تجعل «أمريكا ترامب» تطمع في غرينلاند ما تزال قائمة؛ من الطاقة والثروات الكامنة تحت الأرض، إلى العقيدة الجيوسياسية الأمريكية القائمة على فكرة «هذا نصف الكرة لي»، وصولًا إلى التنافس مع الصين وروسيا، وسلاسل الإمداد، وطرق التجارة العالمية، وغيرها.
ثانيًا: البوصلة التي تستخدمها واشنطن في النظر إلى غرينلاند هي نفسها التي استخدمتها في ملفات أخرى؛ فلسطين بوصفها «ريفيرا» ومجالًا لشركات البناء، وفنزويلا بوصفها ساحة لشركات النفط.
ثالثًا: في حالة غرينلاند، يتمثل الامتداد الطبيعي لهذا المنطق في «وادي السيليكون» وشركات التكنولوجيا العملاقة. وبصيغة أكثر مباشرة: وادي السيليكون يريد غرينلاند. أو بعبارة أدق: شركات التكنولوجيا التي تقف خلف سلطة ترامب ترى في غرينلاند هدفًا استراتيجيًا.
رابعًا: في المخطط العام، تتقاطع شركات رأس المال المغامر الضخم مع شركات التعدين. ففي فنزويلا كانت شركات النفط في الواجهة، أما هنا فتتولى شركات التكنولوجيا القيادة، مع ثبات التموضع السياسي نفسه.
خامسًا: الأهداف متعددة، لكن أبرزها إنشاء مدن سريعة الحركة، معفاة من الضرائب والقوانين، وقبل كل شيء من البيروقراطية.
سادسًا: الانتقال من فكرة «المجتمع بلا دولة وبلا جنسية» إلى بناء «أنماط حياة» كاملة. ويطلقون على هذه النماذج تسميات من قبيل «أمم رقمية» أو «دول قائمة على الإنترنت»، باعتبارها مدخلًا لنهضة جديدة للحضارة الغربية.
سابعًا: وكما هو متوقع، ستكون العملة المعتمدة هي العملات المشفّرة.
ثامنًا: هذه المدن ليست غاية بحد ذاتها، بل تُصمَّم كنماذج أولية لمشاريع أكبر، تتعلق بالفضاء، والمريخ، ومستعمرات المحيطات. ولهذا تُسمّى «مدن الامتياز»، أو «مدن الشركات الناشئة»، أو «مدن الحرية».
تاسعًا: وستكون هذه المدن بطبيعة الحال موطن الذكاء الاصطناعي. إذ يُروَّج لأن المناخ البارد لغرينلاند مثالي لتبريد مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، فضلًا عن احتياطيات العناصر الأرضية النادرة المدفونة تحت الجليد، وهي بمثابة شرايين الحياة للصناعات التكنولوجية المتقدمة.
عاشرًا: لم تعد تصريحات ترامب التي بدت يومًا عبثية أو نزوية من قبيل «أريد غرينلاند» مادة للسخرية. قد يراها البعض كذلك، لكن أوروبا وبقية الغرب والصين لا تتعامل معها بوصفها مزحة. أما روسيا، فتبدو ظاهريًا في موقع المواجهة، لكنها عمليًا تُسهم في تعميق الشرخ بين الولايات المتحدة وأوروبا. وفي الخلفية، تظل «صفقة ألاسكا» التاريخية ماثلة للعيان. هذا ليس خيالًا طوباويًا، وإن كان الطريق ما يزال طويلًا.
الأسماء الفاعلة في هذا المشروع معروفة: سياسيون، ودبلوماسيون، وشركات كبرى. معظمهم يلتزم الصمت، فيما يقر بعضهم بجزء من هذه الطروحات. من بينهم الملياردير التكنولوجي بيتر ثيل، مؤسس «باي بال» وأحد أوائل مستثمري «فيسبوك»، ومؤسس شركة «بالانتير»، التي تعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالة الأمن القومي، ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك. ويحضر إيلون ماسك بطبيعة الحال، وكذلك «براكسيس»، وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، ولونسديل، وبيشيفار الشريك المؤسس لشركة «هايبرلوب ون». والتفاصيل في هذا السياق كثيرة، وتحتاج إلى مجلدات.
فهم يخططون لغرينلاند بوصفها مركزًا للذكاء الاصطناعي، والمركبات ذاتية القيادة، والقواعد الفضائية، والمفاعلات النووية المصغرة، والقطارات فائقة السرعة. أما العناصر النادرة فحدّث ولا حرج. ويكفي الاستشهاد — وإن كان مبالغًا فيه — بقول أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي: «لو ألقينا سهمًا في غرينلاند، لأصاب معدنًا نادرًا».
لطالما قُدمت سياسات ترامب الخارجية على أنها محكومة بالمال وحده. وهذا صحيح جزئيًا. لكن الصورة أعمق من ذلك. نحن أمام مشروع يهدف إلى صناعة «غرب جديد»، تقوده أهداف ذات بعد شبه ديني، وتستند إلى التكنولوجيا الحديثة، وتدعمه شركات الطاقة والتعدين والبناء العملاقة. المال شرط لازم، لكنه ليس التفسير الكامل.
فهذه الرؤية لا تكتفي بتقويض الإطار النيوليبرالي القائم، بل تبحث عن «قدر محتوم» يتجاوز حدود الأرض، يمكن وصفه حتى بـ«التوسع المقدّر إلهيًا».
ولذلك جذور تاريخية واضحة؛ إذ تعكس حنينًا أمريكيًا قديمًا إلى التوسع غربًا في القرن التاسع عشر، وإحياء حلم «الحدود الجديدة». ويُنظر إلى غرينلاند على أنها قد تصبح قاعدة لهذا المصير. منطق غريب عنا ومرفوض، ويذكّر — دون مواربة — بفكرة «الأراضي الموعودة» في نسختها الإسرائيلية.
إن التأثير المتنامي لعمالقة التكنولوجيا على ترامب وعلى الخط السياسي الذي يمثله بات عاملًا حاسمًا في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية. هذه ليست ظاهرة جديدة تمامًا، لكنها تتضخم باستمرار، وقد مكّنت هذه الشركات من اختراق السياسة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
هؤلاء لا يثقون بالدولة بصيغتها التقليدية، لأنها — في نظرهم — بطيئة وغير فعالة. بل إن مفهوم «الدولة الراسخة» يقترن لديهم بالقصور والغباء. لذلك يختلف تصورهم للديمقراطية والحرية بوصفهما «نظام تشغيل» للدول؛ يرون الديمقراطية مبالغًا فيها، والنيوليبرالية متقادمة، والحرية أقل مما ينبغي. وقد يجدون في سجل الغرب بعد الحرب العالمية الثانية ما يدعم بعض انتقاداتهم، لكن المعضلة أن نظرتهم النهائية لا تستسيغ «الإنسانية» نفسها.
وكل هذا ينبع من «محافظة خاصة بهم»، تختلف عن كل ما عُرف سابقًا.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة