
النتائج التي تخرج من النقاشات الدائرة حول «أسباب وكيفية» هجوم أميركي/إسرائيلي محتمل على إيران لا تُرضي أحدًا.
الجميع يسرد عشرات الأسباب، من مصادر الطاقة إلى الديناميات الداخلية، لكن أحدًا لا يعدّ سببًا واحدًا منها، أو حتى مجموعة منها، «سببًا حاسمًا ومقنعًا» لتوجيه ضربة إلى إيران.
أما «الكيفية» فتُروى أصلًا عبر افتراضات وتخيلات عسكرية كبرى، مع استعراض لوائح العتاد والجرد العسكري. ولا يخطر ببالهم طريق آخر! ومع ذلك، ثمة إجماع هنا أيضًا: «قد يضربون، لكن مهما بلغت شدة الضربة، فإن طهران لن تُطرَح من الحلبة بسهولة».
ومن جهة أخرى، وبما أن مسألة «سيضربون الآن أم بعد قليل» تحولت إلى وسيلة لرفع نسب المشاهدة، يُضاف الكثير من الحماس إلى القدر الإعلامي.
ولا أحد يخرج ليسأل بوضوح: «إذا سقطت إيران، فهل يصب في مصلحة تركيا أم ضدها؟
فلنعرّف أولًا معنى «السقوط». يمكن أن يكون على صورتين: إما أن تتفكك إيران، أو أن تتحول....
فإذا تفككت، فذلك كارثة. وهو في الوقت ذاته يعني «حربًا أهلية». دماء تُسفك، وعدم استقرار يُصدر إلى المنطقة. إلى أين سيمتد، وبأي أذرع، وكيف سيتدخل اللاعبون الكبار، وما تأثيراته المتعددة على الدول المجاورة، لا يمكن الجزم به، وحتى لو أمكن تصوره فلا يمكن تقدير حجمه. الاقتصاد، الشرق الأوسط، العراق، سوريا، الهجرة، أسعار الطاقة، الصراعات العرقية والدينية… إلخ.
هل يمكن لتركيا أن تكون راضية عن ذلك؟ في وقتٍ ترتفع فيه ـ بغضّ النظر عن كونه جيدًا أو سيئًا، ممكنًا أو مستبعدًا ـ التوقعات بإمكانية دخول الشرق الأوسط في نظام ما، أي في حالة من الانتظام، وبالتالي الاستقرار، وتُغرس دعائمه الأساسية؟
أما الاحتمال الثاني فهو تحوّل النظام…
فلنُعرّف التحوّل أيضًا: أي تطور نظام طهران إلى بنية «أكثر اعتدالًا»، «أقل صدامًا مع الغرب»
هل يُرضي هذا تركيا؟
علينا أن نناقش هذا السيناريو أيضًا، لكن مع وضع «إذا» في بدايته.
إن مسارًا تُقيم فيه إيران علاقات دافئة مع الغرب سيتقدم بوتيرة أسرع من جميع ديناميات الشرق الأوسط الأخرى. لأن رصيدها التراكمي مناسب، بل إن بنيتها وإمكاناتها مهيأة لذلك في الأساس…
يشرح البروفيسور سليمان سيفي أُوغون ـ بتصرف ـ قائلًا: «مواردها من النفط والغاز، وموقعها في السياق الجيوسياسي، يجعلها مهمة في نظر الغرب. شئنا أم أبينا، لها أسلوب دبلوماسي خاص بها. إنها دولة مثقفة. وبمجرد أن تُفتح أمامها أبواب الدعم الغربي، يمكن أن تنهض بسرعة، وسيكون لذلك أثره على جيشها أيضًا»
إيران، في وضعها الحالي، متأخرة عن تركيا بدرجة ملحوظة
نحن هنا نمارس نوعًا من الافتراض: إذا ما أصبح تغيير النظام في إيران ذا توجه غربي، فهل سيكون اهتمام الغرب بإيران أكبر من اهتمامه بتركيا أم أقل؟
(ملاحظة على الهامش: يزعجني ربط الافتراض بـ«المحور الغربي»، لكن من يطوّر الهجوم، أي من يقوم بالفعل، هم هم. وبالتالي ستكون المخرجات وفق حساباتهم. هذه هي الواقعية السياسية، للأسف).
نعود للإجابة عن سؤالنا؛ سياسات النظام المعتدل يمكن أن تتجلى بطريقتين: الأولى، كمنافس لتركيا. والثانية، في انسجام مع تركيا…
أحد المسلمات الخفية في السياسة الخارجية الإيرانية هو التنافس مع تركيا. هذا جزء من طبيعتها. ولا يمكننا أن نضمن أنهم، في حال تحسنت علاقاتهم مع الغرب، لن يسعوا إلى توظيف مكاسب هذا التحول. وفي هذه النقطة، لا يمكننا أيضًا التنبؤ بكيفية تصرف وتموضع بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وروسيا، بل وحتى إسرائيل (!). ولنكتبها بوضوح: قد يتوزع الاهتمام والتركيز العالميان اللذان يحظى بهما صعود قوة تركيا الواضح في عموم المنطقة…
أما الاحتمال الثاني، أي «هل يمكن أن يكون هناك انسجام مع تركيا؟»، فيستند إلى السياق الجيوسياسي العام؛ إذ كان الاحتمال الأول يستقي معاييره من التاريخ السياسي والتراكمات التقليدية. أما هذا الاحتمال فينظر إلى السياسات التي تحاول، في ظل الولايات المتحدة في عهد ترامب، ترسيخ ديناميات نظام عالمي متعدد الأقطاب وفق مقاربتها الخاصة…
حاليًا، يبدو أن المنطقة الوحيدة الإشكالية في الإقليم ـ وربما يُضاف إليها العراق قريبًا ـ هي إيران. لأن إيران تشكل حدًا فاصلًا في الشرق الأوسط بوصفها امتدادًا سياسيًا للصين وروسيا…
لقد نجحت إدارة ترامب في دفع الشرق إلى الخلف في بقية مناطق الإقليم. وما أُبعد عن سوريا والعراق، ودُفع خارج اليمن، والمناطق الأخرى التي كان يحضر فيها عبر قوى بالوكالة، لم يكن إيران وحدها. بل أُبعدت الصين وروسيا أيضًا…
ونراقب في «الشرق الأوسط الجديد» المتناغم مع «العالم الجديد» محاولة تركيا الاضطلاع بدور خاص بها. فهل يمكن لإيران، إذا تحسنت علاقاتها مع الغرب، أن تنضم إلى هذا الدور؟ أسئلة صعبة. لأننا لا نتحدث عن طهران وحدها؛ بل عن فضاء شاسع يمتد من بحر قزوين والبحر الأسود إلى اليمن، ومن الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا، بل وحتى شرق أفريقيا، والخليج، وباكستان–أفغانستان… إلخ.
فهل يمكن لرغبة الغرب، وللولايات المتحدة في عهد ترامب، في نظام مستقر لا يسبب مشكلات، أي «سلام ترمبي» (pax-Trumpa)، عبر هذا المجال الهائل، أن تُبقي أنقرة وطهران متقاربتين؟ ربما. لكن من الواضح أن هذا المسار مفتوح على تعقيدات كثيرة…
وقد تفضّل تركيا، بدلًا من الانشغال بالاحتمالات ونتائجها غير القابلة للتنبؤ، أن تترك إيران لدينامياتها الطبيعية…
والعبارات التي قالها معالي وزير الخارجية هاكان فيدان أثناء استقباله أمس وزير الخارجية الإيراني تعبّر عن ذلك تمامًا: «نأمل أن تُحل القضايا الداخلية لإيران من قبل الشعب الإيراني نفسه، وبشكل سلمي، دون تدخل خارجي. ونؤكد في كل مناسبة رفضنا لأي تدخل عسكري ضد إيران أمام مخاطَبينا».
وبغضّ النظر عن كون الاحتمال كبيرًا أم صغيرًا، هناك خطر آخر يجب أن نضعه في الحسبان: استنباط توتر تركي–إيراني من داخل خطة إضعاف إيران وحلفائها!
ففي برنامج «غرفة العقل» يوم الخميس الماضي، أوضح البروفيسور حسن كوني، وهو يتحدث عن إيران، أن أحد نتائج ثورة 1979 كان تصدير سياسة موجهة ضد الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي اضطر السوفيات إلى دخول أفغانستان. واليوم، بما أن أي مسعى لتغيير النظام في إيران يضع الصين أيضًا في دائرة الاستهداف، فلا بد من التفكير مليًا في أي بلد يمكن أن يُراد استخدامه ككبش اقتحام…
أو يمكننا، كما نفعل كل مساء، أن نحسب طول حاملة الطائرات الأميركية، وعدد الصواريخ التي تمتلكها إيران، ونشير إليها بالعصي، ونمارس المراهنات على الحروب…
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة