إعادة تشكيل المعرفة.. حذف اسم فلسطين من المتحف البريطاني

08:0219/02/2026, الخميس
تحديث: 22/02/2026, الأحد
سلجوك توركيلماز

في نهاية الأسبوع الماضي، علمنا أن اسم فلسطين قد أُزيل من المعروضات داخل المتحف البريطاني. وبموجب هذا القرار، لن يُدرج اسم فلسطين بعد الآن على اللوحات التعريفية أو الخرائط الموجودة داخل المتحف. وتفيد التقارير الإخبارية بأن تأثير اللوبيات الصهيونية كان عاملًا في اتخاذ هذه الخطوة. غير أنني أحاول منذ فترة طويلة التأكيد على أن اللوبيات الصهيونية، وحدها، لا يمكنها أن تدفع باتجاه اتخاذ قرارات كبيرة ومؤثرة من هذا النوع. وبالتالي، فإن إرجاع قرار إزالة اسم فلسطين من المتحف البريطاني إلى مجرد نفوذ اللوبيات

في نهاية الأسبوع الماضي، علمنا أن اسم فلسطين قد أُزيل من المعروضات داخل المتحف البريطاني. وبموجب هذا القرار، لن يُدرج اسم فلسطين بعد الآن على اللوحات التعريفية أو الخرائط الموجودة داخل المتحف. وتفيد التقارير الإخبارية بأن تأثير اللوبيات الصهيونية كان عاملًا في اتخاذ هذه الخطوة.

غير أنني أحاول منذ فترة طويلة التأكيد على أن اللوبيات الصهيونية، وحدها، لا يمكنها أن تدفع باتجاه اتخاذ قرارات كبيرة ومؤثرة من هذا النوع. وبالتالي، فإن إرجاع قرار إزالة اسم فلسطين من المتحف البريطاني إلى مجرد نفوذ اللوبيات الصهيونية وحدها ليس تفسيرًا دقيقًا.

واللافت أن المتحف البريطاني اتخذ هذا القرار قبيل إعلان إسرائيل عن بدء ما وصفته بـ«إطلاق عملية تسجيل الأراضي» في الضفة الغربية، في خطوة تهدف إلى إضفاء طابع رسمي على مصادرة أراضي الفلسطينيين. ومن الصعب تقريبًا فصل قرار المتحف عن السياسة البريطانية الأوسع تجاه شرق المتوسط والمنطقة المركزية في العالم الإسلامي.

فالمتحف البريطاني، بل والمؤسسات المماثلة في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، هي في جوهرها جزء من إرث التاريخ الاستعماري الغربي. بل إن الدراسات المتخصصة في تاريخ المتاحف تشير إلى أن المتاحف الحديثة نشأت في القرن التاسع عشر بوصفها مؤسسات تعكس عظمة الإمبراطوريات الاستعمارية ومشاريعها الحضارية. لذلك لا يمكن النظر إلى المتاحف الاستعمارية بمعزل عن بنية الإمبراطوريات الحديثة.


بطبيعة الحال، يظل السؤال مطروحًا: لماذا أقدم المتحف البريطاني تحديدًا على حذف اسم فلسطين؟ لا بد أن يكون لهذا الإجراء دلالة ومعنى.


من المهم دراسة العالمات الاستعمارية — كالمعارض العالمية، والمتاحف، والمكتبات الحديثة، وحتى الخرائط — في سياق إعادة تنظيم المعرفة وإعادة إنتاجها. غير أنّ ما يتعلق بالمتحف البريطاني يستدعي الإشارة إلى بعض الوقائع التاريخية المرتبطة بالمعارض والمتاحف، نظرًا لحيويتها ودلالاتها. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، عُرض أطفال جلبوا من المستعمرات الإفريقية في سياقات عرض استعراضية.

كما استخدمت صور ومقتنيات من المستعمرات الفرنسية أو البريطانية لأغراض دعائية متعددة. بل إن الإعلانات التجارية نفسها كانت تتضمن أحيانًا صورًا مرتبطة بالمستعمرات. غير أن مفهوم «الاستغلال» و«الاستفادة» المرتبط بالسردية الاستعمارية — خاصة في وعينا الفكري — كثيرًا ما يُفسَّر بطريقة تحدّ من تحليل مظاهر العظمة الاستعمارية وتأثيرها على أنماط التفكير والتصنيف.


وعوضًا عن تحليل هذه البنى بعمق، نُدفع أحيانًا إلى أطر مفاهيمية تقود إلى الانغلاق الداخلي بدل قراءة النقد الاستعماري قراءةً شاملة. لكن ما يتضح في حالة المتحف البريطاني ومحاولة حذف اسم فلسطين هو أن الإرث الاستعماري لدول أوروبا الغربية لا يقتصر على رموز تمجد القوة الإمبراطورية أو تُظهر سيطرتها على جغرافيات «ساكنة»، بل يتجاوز ذلك. فاسم فلسطين اليوم لم يعد مجرد إشارة رمزية داخل سردية إمبراطورية، بل أصبح يحمل دلالة مختلفة تمامًا: فهو يشير إلى وجود الشعب الفلسطيني نفسه، وإلى استمرارية حياته رغم التدمير والتهجير والقتل، بل وإلى مقاومته. ومن ثم، فإن تفسير حذف الاسم باعتباره نتيجة مباشرة لقوة اللوبيات الصهيونية وحدها يُخرج الحدث من سياقه السياسي والثقافي الأوسع.


عبر التاريخ، كانت المتاحف والمعارض والأرشيفات والمكتبات أدوات لتجسيد العظمة الإمبراطورية، أو لإعادة إنتاجها معرفيًا. وفي هذا السياق، لم يكن وجود الأشياء المجلوبة من المستعمرات — ولا حتى تسميتها — يثير إشكالًا ضمن المنظور الاستعماري؛ بل كان يُستخدم لتأكيد السيطرة المعرفية. وليس مستغربًا أن نجد أدق الخرائط المتعلقة بالهند أو فلسطين محفوظة من العهد الإمبراطوري نفسه.


وأود أن أبين أنني أتعامل بحذر مع بعض المفاهيم مثل «أماكن الذاكرة»، إذ إن الإرث الاستعماري كان يسمح بتصنيف الأشياء وتحديدها ضمن إطار يخدم رؤية السلطة، حيث تُجمَّد الأشياء وتُجرّد من حركتها لتفقد استقلالها الدلالي. غير أن هذا النمط لم يعد قائمًا بالشكل نفسه. فثمة تحول يفرض إعادة تشكيل هذه البنى.


من الواضح أن اسم فلسطين بات يحمل اليوم رسالة مزعجة للخطاب البريطاني، وربما أيضًا لبعض الدوائر المرتبطة بالمشروع الصهيوني. وأرى أن إزالة الاسم من المتحف تعكس هذا الانزعاج، لأن اسم فلسطين لم يعد مجرد إحالة تاريخية، بل أصبح دلالة حيّة تشير إلى شعب يعيش على الأرض ذاتها ويطالب بحقه في الوجود. وهذا المعنى يتعارض مع الطابع المؤسسي للمتحف الذي ارتبط تاريخيًا بسردية الإمبراطورية.


بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت الدراسات الاستشراقية في أوروبا الغربية، ولا سيما في العالم الأنغلوساكسوني، هيمنة ملحوظة لتيارات أكاديمية كان للباحثين اليهود الصهاينة فيها حضور قوي. وقد ساد في تلك المقاربات تجاهل الفلسطينيين أو تهميشهم ضمن التصورات الكولونيالية عن فلسطين. لكن الفلسطينيين لم يختفوا يومًا. واليوم تتكرر محاولة محو الاسم، كما تكررت محاولات إقصاء الوجود.


غير أن الوقائع التاريخية والسياسية تشير إلى حقيقة واضحة: اسم فلسطين — كما كان في الماضي — لن يختفي.

#فلسطين من المتحف البريطاني
#المتحف البريطاني
#بريطانيا
#فلسطين