
سأعرض عليكم واقعةً مثيرة من تمرين «ستيدفاست دارت 2026» (Steadfast Dart 2026)، وهو من أكبر تمارين حلف شمال الأطلسي في السنوات الأخيرة. وعندما تقرأون ما حدث فيه ستقولون: «إنهم لن يتعلّموا أبدًا». وسأجيب: «بل هي مرحلة تعوّد». لكن قبل أي حكم، علينا أن ننظر إلى الصورة الكبرى.
بعد الحرب العالمية الثانية، وباعتبارها قوة مهزومة، وضعت الولايات المتحدة ألمانيا — إلى جانب اليابان — في حالة ما يمكن وصفه بـ«الحماية المشروطة» أو الرقابة الاستراتيجية، حتى لا تعود مصدر تهديد. وأُسندت مسؤوليتها الأمنية عمليًا إلى واشنطن.
بوتين مستعد… والزمن يميل ضد أوروبا
في المرحلة الحالية، باتت الولايات المتحدة تطالب أعضاء الناتو — وألمانيا تحديدًا — بزيادة الإنفاق الدفاعي. (وبحسب مذكّرات الأمين العام السابق للناتو ستولتنبرغ، فإن وصف «الطفيليين» لم يكن منسوبًا إلى ترامب بل إلى أوباما.) ما كان يُقال خلف الأبواب المغلقة في عهد أوباما، يقوله ترامب اليوم علنًا. والرسالة واضحة: «تعلّموا الاعتماد على أنفسكم».
الألمان باتوا يدركون أنهم لم يعودوا قادرين على تجاهل هذه التحذيرات. ففي أوروبا تتصاعد مؤشرات القلق من التهديد الروسي. ووفق تسريبات، فإن المفاوضات التي جرت في جنيف بين أوكرانيا وروسيا كانت شديدة الحِدّة. ويرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الموقف الأمريكي يمنحه هامش حركة أوسع. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد منح الطرفين مهلة حتى الصيف للتوصل إلى تسوية، وإلا ستُفرض عقوبات على الجانبين. والروس معتادون على العقوبات. وفي هذا المشهد، يضيق المجال أمام أوكرانيا، وكذلك أمام أوروبا.
صلاحيات عمليات خارجية لجهاز الاستخبارات الألماني
في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي عُقد الأسبوع الماضي، كان النقاش يدور حول هذه التطورات. والتقرير الذي أُعدّ ضمن المؤتمر شدّد على أن «النظام الدولي يتعرّض للتفكيك — بل أحيانًا — على يد الولايات المتحدة نفسها».
ولهذا بدأت ألمانيا تبحث عن إعادة تموضع دبلوماسي وسياسي وعسكري واستخباري جديد.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس عبر في كلمته عن تذمره من «الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة»، وتحدث عن ضرورة تأسيس شراكة عبر أطلسية بصيغة جديدة. وأشار بشكل مباشر إلى تركيا، معتبرًا أن بعض الدول ستؤدي دورًا محوريًا في الشراكات الجديدة. كما كانت الدعوة إلى إنشاء «مظلة نووية أوروبية» بالتعاون مع فرنسا لافتة جدًا.
وفي الوقت الذي كان ميرتس يلقي خطابه، ظهرت تقارير تتحدث عن تحوّلات داخل جهاز الاستخبارات الألماني الخارجي ، إذ تستعد ألمانيا لمنح الجهاز صلاحيات تنفيذ عمليات تخريب وعمليات سرّية خارج حدودها.
ألمانيا تمتلك قدرة مالية وبنية صناعية تؤهلها لإنشاء جيش كبير ومتطور، لكن التحدي يكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى واقع عملي. وأبرز العقبات هي العامل الديمغرافي؛ فمتوسط عمر السكان يبلغ نحو 46 عامًا. والحل المحتمل لهذا الخلل يتمثل في الهجرة المنضبطة، إلا أن ملف الهجرة يصطدم بصعود اليمين المتطرف، ما يخلق معضلة حقيقية وتذبذبًا في السياسات داخل ألمانيا وأوروبا عمومًا.
انتشار استراتيجي: طرف في بحر البلطيق وطرف في الصومال
لنتحدث الآن عن تمرين الناتو
في إطار تمرين «ستيدفاست دارت 2026»، استعرضت القوات المسلحة التركية قدراتها بشكل لافت. فقد شاركت حاملة الإنزال التركية «تي سي جي أناضولو» (TCG Anadolu)، ونحو ألفي عسكري، وآليات مدرعة، ووحدات إنزال، والطائرات المسيّرة البحرية من طراز «تي بي 3» (TB3)، إضافة إلى عناصر دعم لوجستي وبحري.
لماذا برزت تركيا بهذا الشكل في التمرين؟
أحد أهم عناصر التميز هو قدرة الجيش التركي على «النقل الاستراتيجي» السريع. إن نقل هذا الحجم من القوات والمعدات إلى بحر البلطيق، والتخطيط له وتنفيذه، يمثل مؤشرًا مهمًا على تطور القدرة اللوجستية والعسكرية.
وهناك نقطة غالبًا ما تُغفل: بينما كانت قوة كبيرة من الجيش التركي تتجه إلى بحر البلطيق للمشاركة في التمرين، أُرسلت في الوقت نفسه سفينة «تي سي جي سنجق دار» (TCG Sancaktar) وسفينتان أخريان إلى الصومال. أي إننا أمام قدرة انتشار استراتيجية تمتد من جهة إلى بحر البلطيق، ومن الجهة الأخرى إلى الصومال، في الوقت نفسه.
فخر بالصناعة الدفاعية… وتجربة "بيرقدار تي بي 3"
عنصر آخر عزّز حضور تركيا في التمرين هو الصناعة الدفاعية الوطنية.
هبوط وإقلاع الطائرة المسيّرة البحرية "بيرقدار تي بي 3" (TB3) من على متن حاملة الإنزال «أناضولو»، وإصابتها أهدافًا بدقة قبالة السواحل الألمانية، حظي بإعجاب المشاركين.
ويقول من حضروا المشهد: كانت الرياح قوية، والطقس شديد البرودة، والمدرج مغطّى بالجليد، ما يجعل الإقلاع محفوفًا بالمخاطر. بل إن طائرات «رافال» الفرنسية (Rafale) لم تُقلع بسبب الظروف الجوية. لكن "بيرقدار تي بي 3"تجاوزت القيود التشغيلية وأثبتت قدرتها.
وفي التمرين شاركت 11 دولة من دول الناتو، وجميعها قدّرت الأداء. وسُئل المسؤولون: ما هو الحد الأقصى لسرعة الرياح التي تتحملها "بيرقدار تي بي 3"؟ وكان الشعور العام هو الفخر بالنتيجة.
هذا المشهد يشكّل أرضية إيجابية لتعزيز التماسك داخل الناتو، ولتطوير العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي وأوروبا عمومًا. وإذا استثنينا الولايات المتحدة من معادلة الناتو، فإن ما يتبقى عمليًا هو تركيا وبعض الدول الأخرى. وقد ظهر هذا الواقع بوضوح في التمرين.
لكن رغم ذلك، ما زالت هناك حدود وعقبات ينبغي تجاوزها.
على سبيل المثال — كما أخبرني صديق في ألمانيا — أثار موضوع استخدام الذخيرة الحية من قبل "بيرقدار تي بي 3" في السواحل الألمانية نقاشًا داخليًا. فقد خشي الألمان من ردود فعل اليمين المتطرف ومن استغلال بعض التيارات السياسية لهذا الحدث في الدعاية.
ورغم أن إطلاق النار كان مدرجًا ضمن خطة التمرين، طُرح تساؤل خجول: «هل يمكن إلغاء إطلاق النار؟». فجاء الرد حاسمًا: «لا مجال لذلك». وبذلك أُغلق الملف.
هذه مرحلة التكيّف الأوروبية مع النظام الدولي الجديد. وسنشهد مزيدًا من التذبذب والجدل المشابه. تمامًا كما في مسألة برنامج قروض دعم الإنفاق الدفاعي (SAFE)، حيث لا يمكن لتركيا الاستفادة منه، بينما أُدرجت كندا — حتى — ضمن البرنامج.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة