عودة فرعون.. التكرار الجدلي أو الدرس المستفاد من مجزرة الأطفال

08:0627/03/2026, الجمعة
تحديث: 2/04/2026, الخميس
ياسين اكتاي

«يجب تبني نهج يشبه قتل البكائر في التوراة في مكافحة إيران؛ وإذا تعذّر الوصول إلى المسؤولين الكبار، فيجب استهداف الأطفال». هذه الجملة، المتبقية من تغريدة محذوفة، كافية تمامًا لتوضيح الحد الأخلاقي–اللاهوتي الذي وصلته حرب تبدو حديثة للغاية. وقد نشرت الأكاديمية الإسرائيلية أورِيت بيرلوف (عضوة معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب) التغريدة باللغة العبرية. وقد نقلها صديقنا توران كيشلاكجي مع التعليق التالي: "(بيرلوف) وفقًا لرأيها، يجب تبني نهج ديني متشدد في مكافحة إيران، ويجب قتل الأطفال الإيرانيين

«يجب تبني نهج يشبه قتل البكائر في التوراة في مكافحة إيران؛ وإذا تعذّر الوصول إلى المسؤولين الكبار، فيجب استهداف الأطفال».

هذه الجملة، المتبقية من تغريدة محذوفة، كافية تمامًا لتوضيح الحد الأخلاقي–اللاهوتي الذي وصلته حرب تبدو حديثة للغاية. وقد نشرت الأكاديمية الإسرائيلية أورِيت بيرلوف (عضوة معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب) التغريدة باللغة العبرية.

وقد نقلها صديقنا توران كيشلاكجي مع التعليق التالي: "(بيرلوف) وفقًا لرأيها، يجب تبني نهج ديني متشدد في مكافحة إيران، ويجب قتل الأطفال الإيرانيين بطريقة مشابهة لكارثة قتل البكائر المذكورة في التوراة. وتشير إلى أن مثل هذه الأساليب سبق تطبيقها في غزة، حيث قتل أكثر من 14 ألف طفل وفقًا لإحصاءات الأمم المتحدة. وتقترح تطبيق النموذج نفسه في إيران ولبنان"


غالبًا ما يُثار جدل حول مدى جديّة مثل هذه التعبيرات؛ ومع ذلك، أحيانًا تكون كلمة واحدة بمثابة تجسيد لعقلية كاملة. والمسألة هنا لا تتعلق فقط بالكلمات التي قالتها أكاديمية في لحظة غضب. المسألة هي كيف يبرر العنف والمذابح، بل وحتى قتل الأطفال، نفسه، وما الذكريات التي يستحضرها، وكيف يشرعن نفسه في النهاية. بدأت إسرائيل والولايات المتحدة هجماتهما ضد إيران بقتل 168 طفلة. ولم نسمع أي تعبير عن ندم حتى أدنى مستوى. وقد حُرمت الفتيات اللاتي لم يستطعن الذهاب إلى المدرسة في أفغانستان من أي عزاء هنا، كما حُرمت الضحايا في جزر إبستين من أي اهتمام.


قلب النص: تحوّل العبرة إلى استراتيجية


ترافق هذه التعبيرات اللاهوتية كل الهجمات التي نفذتها إسرائيل منذ غزة. مثل هذه الخطابات تطرح مجددًا مسألة كيفية قراءة النصوص. فالإشارة إلى التوراة هنا ليست لتذكير القارئ بالسياق التاريخي أو التحذير الأخلاقي، بل لتحويلها إلى دليل عملي للفعل. أصبح النص يُستدعى للتطبيق أو لتبرير الأفعال، لا للفهم. وقد اختفى الحد الفاصل بين المستوى التأويلي والمستوى الاستراتيجي. في هذه النقطة، يصبح الاستخدام هو المحدد، لا المعنى.


في المقابل، كانت الوظيفة التاريخية لمثل هذه الروايات غالبًا فضح الظلم وإنتاج وعي ضده. النصوص التي تحكي قتل فرعون لأطفال بني إسرائيل لم تكن نموذجًا يُحتذى، بل كانت تحذيرًا. ومع ذلك، فإن لغة الحرب الحديثة المأخوذة من الحضارة الغربية بارعة للغاية في قلب هذه الروايات. فالتحذير يتحوّل إلى استراتيجية، والعبرة تتحوّل إلى أداة. ويظهر هذا التحول ليس فقط في العلاقة بالنص، بل في مدى تضاؤل الأفق الأخلاقي أيضًا.


بينما كان من المتوقع أن تتحوّل المظلومية إلى دعوة أخلاقية عالمية، أصبحت تدريجيًا جزءًا من سياسة هوية ضيقة، لا تنتج أي مسؤولية أخلاقية تجاه «الآخر». وهذه صفة نموذجية للتبجح الصهيوني. لا يمكننا قبول أن يقوم الجميع بذلك حين يحين دورهم. نحن المسلمون لا نفعل ذلك أبدًا. الهدف النهائي للمسلمين حتى في الحرب هو هداية المخطئين، وأن يتحوّل أعداؤنا إلى إخوان لنا. هذا فرق مذهل، خاص بالمسلمين.

أطفال فرعون وانقلاب التاريخ

قتل فرعون المنهجي لأطفال بني إسرائيل ليس مجرد سياسة أمنية؛ بل هو هجوم وجودي يستهدف مستقبل شعب. ما يراه تهديدًا هم الأطفال الذين لم ينضجوا بعد ولم يصبحوا بعد ذاتًا، واحتمال أن يشكلوا تهديدًا في المستقبل. لذلك يريد القضاء عليهم. لكن القوة الحقيقية للأمر تكمن في كيفية انقلاب هذا الظلم على نفسه. موسى ينشأ في قصر فرعون الذي أراد القضاء عليه، فينتج الظلم نقيضه.


هذه الرواية قُرأت عبر التاريخ كعبرة: أن استهداف أطفال شعب ما هو خطأ ليس أخلاقيًا فحسب، بل يتعلق أيضًا بخطأ جوهري في المصير المحتوم. وما نراه اليوم هو أن من يدينون أعمال فرعون ليل نهار يعيدون إنتاجه كنموذج عملي. والسخرية الناتجة هنا تكاد تكون واضحة بشكل مأساوي: شعب يخرج إلى التاريخ من خلال ظلم فرعون، يتبنى اليوم طرق فرعون نفسه.


تبدّل الذاكرة: من الضحية إلى الجاني


هذا التحول ليس مجرد تناقض بسيط، بل يتعلق بكيفية عمل الذاكرة. فالذاكرة لا تكتفي بتذكر الماضي، بل تبني الحاضر أيضًا. إذا استُخدمت الذاكرة كحق إدعاء بدل التحذير الأخلاقي، فإنها تتحوّل بسهولة إلى مصدر للعنف.


تحوّل ذاكرة الهولوكوست اليوم ملفت للنظر من هذه الزاوية. تلك الذاكرة، التي كانت دعوة عالمية لـ «لن يحدث مرة أخرى»، أصبحت تدريجيًا جزءًا من خطاب أمني ضيق. وفي هذا الخطاب، يُمكن إدراج قتل الأطفال ضمن فئة «الضرورة».


قتل عشرات الآلاف من الأطفال في غزة واستهداف البنى التحتية المدنية في إيران وأماكن أخرى من المنطقة لم يعد يُقرأ كأحداث منفصلة، بل كتجليات لمنطق معين. هذا المنطق مألوف: يجب القضاء على التهديد قبل أن يظهر. يجب تدمير المستقبل منذ اليوم. هذا منطق فرعون.


من غزة إلى إيران: استمرارية العنف

الوقائع الميدانية للحرب التي تشنها اليوم الولايات المتحدة وإسرائيل تُظهر أن هذه العقلية ليست نظرية فحسب. تحويل وفاة الأطفال في غزة إلى بيانات إحصائية، واستهداف البنية التحتية المدنية بشكل منهجي، يُظهر كيف أزيلت حدود الحرب.


امتداد هذا النموذج نحو إيران ولبنان يوضح أن هذه الممارسة ليست استثناء، بل لها أصول لاهوتية أو نظرية. استهداف المدارس والمستشفيات والمنازل، وجعل الأطفال جزءًا فعليًا من الحرب وليس مجرد «أثر جانبي»، كلها تؤكد أن التغريدة المحذوفة لم تكن اقتراحًا بل تشخيصًا.


بين هيغل وعلي عزت بيغوفيتش: منطق التشابه


ربما يكون من طرق تعميم قصة التشابه مع العدو اليوم اللجوء إلى جدلية السيد والعبد عند هيغل. لكن القضية هنا ليست مجرد تبادل أدوار. الأعمق هو كيفية استيعاب الذات لنقيضها. العبد، في صراعه مع السيد، قد يتبنى لغته وأدواته وتصوراته. في هذه الحالة، ما يظهر ليس مجرد تبدل في السلطة، بل إعادة تمثيل التكرار في سياق مختلف.


هنا يكتسب التحذير المتكرر لعلي عزت بيغوفيتش معنى جديد: التشبه بالعدو ليس مجرد خسارة أخلاقية، بل تحول وجودي. فالهوية تُعاد تعريفها عبر الأفعال، وهذا التعريف غالبًا ما يثبت بطريقة لا يمكن الرجوع عنها.


هناك قاعدة دينية جادة تحذر المسلمين دائمًا من الانزلاق في هذا التحول الوجودي. حتى الحرب ليست مساحة لكل الطرق ضد العدو.


اليوم، طبيعة وفاة الأطفال في غزة وإيران وتحولها إلى بيانات إحصائية تُظهر كيف أصبح الشر عاديًا ومألوفًا. وهذا التطبيع لا يُنتج مجرد مظهر خارجي، بل يخلق عادة داخلية وتحولًا وجوديًا. والعادة هي أخطر أشكال العنف، لأنها تتحول في النهاية إلى سلوك تلقائي بلا تساؤل.


هل هو كذلك فعلاً؟ أم أن كل وفاة طفل تنتج شعورًا دينيًا بالارتياح أيضًا؟

#قتل الأطفال فيغزة
#إيران
#حرب إيران
#حرب لاهوتية
#اليهود
#مجازر الأطفال