الأزمة الديموغرافية للحلم الأميركي

07:0630/01/2026, الجمعة
تحديث: 30/01/2026, الجمعة
قدير أوستون

تشير أحدث بيانات التعداد السكاني في الولايات المتحدة إلى أن معدل نمو السكان بلغ أدنى مستوياته في التاريخ الأميركي حتى نهاية حزيران/يونيو 2025. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، كان صافي الهجرة عاملًا حاسمًا في دعم النمو السكاني، غير أن البيانات الأخيرة تكشف عن تراجع حاد في صافي الهجرة. صحيح أن انخفاض معدلات المواليد، كما هو الحال في كثير من دول العالم، بات ظاهرة ملموسة في الولايات المتحدة، إلا أنه ليس العامل الرئيس وراء تباطؤ النمو السكاني. فعلى مدى العشرين إلى الثلاثين عامًا الماضية، ورغم التباطؤ النسبي

تشير أحدث بيانات التعداد السكاني في الولايات المتحدة إلى أن معدل نمو السكان بلغ أدنى مستوياته في التاريخ الأميركي حتى نهاية حزيران/يونيو 2025. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، كان صافي الهجرة عاملًا حاسمًا في دعم النمو السكاني، غير أن البيانات الأخيرة تكشف عن تراجع حاد في صافي الهجرة. صحيح أن انخفاض معدلات المواليد، كما هو الحال في كثير من دول العالم، بات ظاهرة ملموسة في الولايات المتحدة، إلا أنه ليس العامل الرئيس وراء تباطؤ النمو السكاني.

فعلى مدى العشرين إلى الثلاثين عامًا الماضية، ورغم التباطؤ النسبي في الزيادة السكانية، نجحت أرقام صافي الهجرة في الحفاظ على النمو عند مستوى مقبول نسبيًا. لكن الأرقام الأخيرة تظهر انخفاضًا كبيرًا في صافي الهجرة، ومن الواضح أنّ ذلك نتيجة مباشرة للإجراءات المتشددة المتخذة في ملف الهجرة. فقد أدّت السياسات الصارمة التي اتخذت بذريعة تعزيز أمن الحدود إلى تقويض وعد «الحلم الأميركي»، ما أفقد البلاد جاذبيتها بوصفها مقصدًا للمهاجرين.

والأسوأ من ذلك أن سياسة الترحيل التي استهدفت المجتمعات المهاجرة خلقت مناخًا من انعدام الأمان، الأمر الذي دفع مئات الآلاف من المهاجرين إلى مغادرة البلاد طوعًا. وفي هذا السياق، يتبيّن بوضوح أنّ سياسات إدارة ترامب لعبت دورًا حاسمًا في انخفاض معدل النمو السكاني.


سياسة ترامب للهجرة


يبلغ معدل نمو السكان في الولايات المتحدة، حتى منتصف عام 2025، نحو 0.5%. ويمثل هذا المعدل أحد أدنى المستويات في تاريخ البلاد، باستثناء سنوات الجائحة، وقد تحقق هذا النمو كاملًا بفضل صافي الهجرة. وبما أنّ معدلات الولادة والوفيات بقيت على حالها مقارنة بالعام السابق، فإنّ الزيادة البالغة نصف نقطة مئوية تعود بالكامل إلى الهجرة الصافية، وهو ما يؤكد أنّ الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى الهجرة للحفاظ على نمو سكاني صحي.


في عام 2024، وبفعل إخفاق إدارة بايدن في ضبط أمن الحدود، بلغ صافي الهجرة ما بين 2.5 و3 ملايين شخص، إلا أنّ هذا الرقم انخفض في العام التالي بنحو النصف. ويُعزى هذا التراجع الحاد بشكل رئيس إلى سياسات الهجرة التي تبنّتها إدارة ترامب. فترامب، الذي أوصل إلى السلطة ردود فعل شرائح بيضاء منزعجة من «تغير اللون الديمغرافي» للبلاد، حوّل قضية الهجرة إلى أداة للصراع السياسي الداخلي، متجاهلًا الاحتياجات الديمغرافية والاقتصادية الفعلية للولايات المتحدة.


وفي ولايته الثانية، تجاوزت سياسة ترامب في الهجرة خطاب «أمن الحدود» لتصل إلى حد تعقيد الهجرة النظامية نفسها. فقد أدّت تشديدات الرقابة الحدودية، وإلغاء وضع الحماية المؤقتة لمواطني العديد من الدول، وتعقيد إجراءات اللجوء، وإبطاء طلبات الهجرة القانونية، وفرض رسوم باهظة على تأشيرات مثل H1B، إلى تضييق سوق العمل الأميركي. ولم تقتصر آثار هذه السياسات على ردع الهجرة غير النظامية، بل طالت أيضًا المهاجرين الذين يفكرون في القدوم بطرق قانونية للعمل في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والتكنولوجيا.


لطالما شكلت الهجرة أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية الأميركية، وأسهمت في تعزيز القدرة الاستراتيجية للبلاد. فالدينامية الاقتصادية، والابتكار، والقدرة التنافسية للولايات المتحدة اعتمدت بدرجة كبيرة على سكان مهاجرين شباب ومنتجين. غير أنّ الخطاب السلبي تجاه الهجرة، الذي تحوّل منذ أزمة 2008 إلى أداة للاستقطاب السياسي، بلغ ذروته مع ترامب.


أميركا لم تعد جذابة للمهاجرين


في ظل إدارة ترامب، تسير الولايات المتحدة بخطى متسارعة نحو التخلي عن دورها القيادي العالمي، كما بدأت تفقد مكانتها بوصفها الوجهة الأولى لأفضل الكفاءات في العالم. ومع تراجع قوتها الناعمة، شرعت البلاد في خسارة نخبها الأكاديمية والفكرية لصالح أوروبا. إنّ دولة كانت تُعد مركزًا عالميًا للجامعات البحثية، ووادي السيليكون، وريادة الأعمال المهاجرة، وسوق العمل المتعدد الثقافات، وثقافة سهولة ممارسة الأعمال، باتت اليوم تضرب رأسمالها البشري المؤهل بسياسات معادية للهجرة.


كما أن استهداف طلاب وأكاديميين دوليين بسبب مواقفهم السياسية من قضية فلسطين يكشف عن تآكل مبادئ حرية التعبير وتراجعها. ويشير الابتعاد عن نموذج دمج أفضل الكفاءات العالمية في الاقتصاد إلى أنّ انخفاض صافي الهجرة لن يكون مجرد مشكلة ديمغرافية، بل مصدر ضعف اقتصادي حقيقي.


وبالنسبة لقاعدة ترامب، لا تعد الهجرة قضية اقتصادية فحسب، بل مسألة ثقافية وهوياتية في المقام الأول. فهذه الشرائح، التي ترى نفسها «المالكين الحقيقيين» للبلاد، تتحرك بدافع فكرة «استعادة الوطن». غير أنّ هذا النهج ينطوي، على المدى المتوسط والطويل، على مخاطر واضحة، من بينها تعميق فجوة اليد العاملة، وتسريع شيخوخة السكان، وزيادة الفوارق الاقتصادية بين الولايات.


وليست مصادفة أن تكون ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك، وهي الأكثر مساهمة في الاقتصاد الأميركي، هي أيضًا الأكثر استقبالًا للهجرة الدولية. إنّ ركود عدد سكان هذه الولايات، أو تراجعه، سينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني برمته. كما أنّ فقدان الولايات المتحدة لجاذبيتها سيؤدي إلى زيادة الهجرة نحو كندا وأوروبا ودول الخليج وآسيا، ما يعزز القدرة التنافسية لهذه الدول في مواجهة أميركا. وليس خافيًا مقدار الفائدة التي تجنيها دول مثل الصين من الهجرة العكسية للأدمغة.


خلاصة القول إن تباطؤ النمو السكاني في الولايات المتحدة، وكون السياسات المتشددة في الهجرة هي السبب الرئيس لذلك، يعني أنّ أحد أهم عناصر القوة الأميركية يُضحّى به على مذبح السياسة الداخلية. فجهود إصلاح نظام الهجرة، التي يجري الحديث عنها منذ ثلاثين عامًا من دون تنفيذ فعلي، تحوّلت اليوم إلى خطاب يربط الهجرة بالجريمة. وإنّ انتهاج سياسات معادية للمهاجرين بذريعة مواجهة ضغط الهجرة غير النظامية يفرض كلفة باهظة على دولة تعتمد، مثل الولايات المتحدة، على الهجرة لتلبية جزء كبير من حاجتها إلى الكفاءات المؤهلة.


وفي مرحلة تسعى فيها إدارة ترامب إلى الانكفاء عن القيادة الدولية وتطبيق القوة الأميركية في صورتها الخام، يصبح تجاهل حقيقة أنّ هذه القوة لا تقوم على السلاح والاقتصاد وحدهما، بل على الإنسان أيضًا نقطة تحوّل خطيرة. إنّ سياسات الهجرة التي تتغافل عن هذا الواقع تحمل في طياتها خطر إبطاء التطور الديمغرافي وإضعاف القدرة البشرية المؤهلة للبلاد في آن واحد.

#ترامب
#الهجرة في أمريكا
#سياسة ترامب في الهجرة
#أمريكا