طريق التحرر.. تجاوز الأدوات والوصول إلى الحقيقة

09:5515/12/2025, Pazartesi
تحديث: 1/01/2026, Perşembe
يوسف قابلان

انقلب ميزان العالم. تحوّل العالم إلى جحيم. لأن الإنسان جعل الوسائل تتقدّم على الغايات، ولأن الأدوات التي تُنتِج القوة جعلت الإنسان عبدًا للقوة، صار يفقد خصائصه الإنسانية، يَتَبَرْبَر، ويحوّل العالم إلى جحيم لا يُطاق. كان ينبغي للإنسان أن يستخدم الأدوات، فإذا بالأدوات هي التي تستخدم الإنسان. وأكبر كارثة وجودية يمكن أن تحلّ بالإنسان هي هذه: أن يفقد غاياته، ويجعل الوسائل تتقدّم على الغايات، ثم يرى هذا الانحراف تقدّمًا وتطوّرًا! فيعيش حالة من العمى المعرفي والتصحّر الوجودي، وتيبّس الروح… تحرّر الإنسان

انقلب ميزان العالم.

تحوّل العالم إلى جحيم.


لأن الإنسان جعل الوسائل تتقدّم على الغايات، ولأن الأدوات التي تُنتِج القوة جعلت الإنسان عبدًا للقوة، صار يفقد خصائصه الإنسانية، يَتَبَرْبَر، ويحوّل العالم إلى جحيم لا يُطاق.


كان ينبغي للإنسان أن يستخدم الأدوات، فإذا بالأدوات هي التي تستخدم الإنسان.


وأكبر كارثة وجودية يمكن أن تحلّ بالإنسان هي هذه:

أن يفقد غاياته، ويجعل الوسائل تتقدّم على الغايات، ثم يرى هذا الانحراف تقدّمًا وتطوّرًا! فيعيش حالة من العمى المعرفي والتصحّر الوجودي، وتيبّس الروح…


تحرّر الإنسان لا يكون بفكّ الروابط، بل بفهم أسرارها


لماذا يحدث هذا كلّه إذًا؟


وهل يمكن أن يكون الأمر على غير ذلك أصلًا؟


لكي نفهم، لا بد أن نبدأ من الجذور، من الوجود نفسه، وأن نقوم برحلة فلسفية توضّح لنا: ما الإنسان؟ وما طبيعة وجوده؟


الإنسان كائن مرتبط، معتمد، غير منفصل.


وتحرّر الإنسان لا يتحقق بفكّ روابطه،

بل — على العكس — يتحقق بفهم أسرار هذه الروابط.


نَفَسُ الإنسان ليس بيده؛

النَّفسُ رابطة. فإذا قطع هذه الرابطة مات.

والبراعة هي أن يفهم سرّ هذه الرابطة.


الإنسان كائن ناقص، غير مكتمل؛

ليس كائنًا مكتفيًا بنفسه ولا كاملًا.


لذلك لا يستطيع أن يعيش وحده.


وحين يتصرّف كما لو كان كائنًا كاملًا، لا ينجو من الوقوع عبدًا لروابط أخرى: لهواه، ورغباته، والدنيا.


فكيف سنفهم إذًا معنى “الرابطة” و“الارتباط”، وكيف سنقطع مسافة على طريق التحرّر؟


بأن نصل إلى نور الحقيقة؛

وذلك عبر عيش تجربة الحب، والاحتراق بنار الفراق…


أنا أتحدث هنا عن حالة فعلية، ملموسة — عن حالٍ نعيشه —

عن خارطة طريق تمكننا من الوصول إلى أنفسنا، والعثور عليها، ثم تجاوزها نحو قمّة أعلى.


الطريق إلى النور: عذاب الحب ونار الفراق


النور قائم بالحب، ودائم بنار الفراق.


من لا يحترق بنار الفراق لا يعرف الحب، ولا يصل إلى النور؛

ولا يعرف نفسه، ولا يعثر عليها، ولا يصبح “هو هو”،

ولا يشرع في رحلة الحقيقة التي تحيي الروح.


الإنسان يجد نفسه في “الآخر”، في المختلف.


والمختلف يعمل كمرآة للإنسان؛

لكن الإنسان — لأنه خُلق بطبيعة نفسٍ متكبرة — يخاف من النظر في المرآة.


يخاف من المرآة.


وهنا يكون “الآخر”، “المختلف”، هدية من الرحمن — برحمته —

كي ننظر إلى أنفسنا، نفهمها، نعيها، نعود إليها، ونجد الطريق.


المختلف هو “الآخر”.


هذا “الآخر / الاختلاف” مُنِح للإنسان كإمكان من الله.


وبقدر ما يدرك الإنسان هذه المَوهبة الإلهية، يصبح إنسانًا بحق،

ويترقى من بشريّته إلى إنسانيته؛

ويُرزق ملكات ملائكية ترضع من عالم الملكوت.


أمانة الألوهية، وأمن العبودية، والنظام


الأمانة التي حُمّلها الإنسان هي إقامة الأمن في الأرض

(أي نظام الفطرة، العدل، والإنصاف).


والأمن يعني: أن تكون الموجودات هي هي، تعرف مواضعها، وتستقر في أماكنها.


ولا تتحقق الأمانة إلا بالوصول إلى وعي العبودية،

ولا يتحقق الأمن إلا حين يُفعَّل وعي العبودية في الحياة من خلال وعي الخلافة.


وتفعيل وعي العبودية لا يصبح ممكنًا إلا عندما يبلغ الإنسان وعي الألوهية.


فالألوهية هي المختلف الوحيد، الآخر الوحيد، الغير الوحيد.


والإنسان يرى انعكاسات الإلهي في مخلوقات الإلهي.


والقضية الكبرى هي الوصول إلى سرّ «لِتَعارفوا»:

أن يتعرّف الإنسان، ويعي اختلافه، ويدرك لماذا خُلق.


واكتساب ملكات المعرفة يعني:

أن يتعرف الإنسان إلى المختلف، يفهم اختلافه، ومن خلاله يدرك اختلافه هو —

ومن ثم يكتسب ملكة التمييز، ويصبح “فاروقًا”، ويتزيّن بصفات الفرقان.


قراءة القرآن… لتعلّم قراءة الفرقان


القرآن يمنح المؤمن ملكة النفاذ إلى حكم الخلق وأسراره.


والقرآن إنما هو ليُقرأ.


أما الفرقان فلتقرأ به القرآن…

ولكي تتعلم كيف تقرأ القراءة ذاتها.


وحين يبلغ الإنسان وعي الألوهية، ويتحرّك بوعي العبودية،

يعيش الحب، يحترق بنار الفراق، ويصل إلى النور.


وعندها يعيش حقيقة كونه كائنًا نسبيًا معتمدًا.


وعندها فقط يدرك إلى ماذا ينبغي أن ينتمي، وإلى من ينبغي أن يرتبط.


عندما يرتبط الإنسان بالدنيا،

ويقع في شِباك نفسه،

ويصبح عبدًا لرغباته —

تصبح الشبكات العابرة أدوات تستعبده.


أما الدنيا، والنفس، والرغبات، والعلم، والفن، والتكنولوجيا —

فكلها وسائل في طريق الوصول إلى الحقيقة.


وحين يعرف الإنسان غايته، ويرتبط — بوصفه كائنًا مخلوقًا —

بـ الوجود المطلق وحده،

يتحرر من عبودية الوسائل؛

ولا يركع إلا أمام الخالق — وهناك فقط ينال الحرية.


والطريق الوحيد لينجو الإنسان من الكارثة الوجودية التي يُدفع نحوها،

ولكي يستعيد حريته —

هو أن يدرك أنه صار عبدًا للأدوات؛

وأن يعي كونه كائنًا معتمدًا،

وألا يخضع لأي أداة أو مخلوق سوى الخالق —

فحينها يحرّر نفسه بحق.


وحين يفقد الإنسان إيمانه بالله،

يفقد جوهره وصوته الداخلي — ويفقد حريته.

ومنذ تلك اللحظة يصبح عبدًا لكل شيء ولكل وسيلة.


لكن حين لا يركع إلا للخالق،

يقوّي جوهره، ويثبّت حريته.


آنذاك فقط سيدرك اختلافه،

ويحترم اختلاف الآخرين،

ويفهم كيف يمكن أن يغتني من اختلاف العوالم الإنسانية،

وسيُشعل نار الفراق، ويحترق بنار الحب،

ويصل إلى النور الذي ينير الإنسانية ويبني عالمًا قابلًا للحياة.

#العالم
#الحقيقة
#العقل والنقد
#البحث عن المعنى