
لم يتناول أحد حتى الآن بجدية الصورة الكارثية التي نتابعها عبر ما يُعرف بـ«وثائق إبستين». فلا توجد أي تحقيقات، ولا اعتقالات، ولا حتى إعفاءات من المناصب. ولا يزال من غير المعلوم ما إذا كان قد شُرع في تحقيق أو دراسة تتعلق بالامتداد التركي لهذه القضية، أو على الأقل في إعداد عملٍ شامل يهدف إلى تفكيك شبكات العلاقات المرتبطة بها وكشفها.
وعلى وجه الخصوص، تكشفت في أوروبا شبكات علاقات مروعة تمتد من جرائم قتل الأطفال إلى الاعتداءات الجنسية على القاصرين، ومن شبكات الاستخبارات التي تعمل بالوكالة إلى الابتزاز وغسل الأموال.
لقد انكشف كيف يفرط القادة في بلدانهم، وكيف تُدار الجماهير عبر مخططات محكمة، وتبين إلى أي حد أصبحت الدول الأوروبية أسيرة نظام متهالك وفاسد ومخز.
ومع ذلك، يتصرفون بقدر مذهل من الوقاحة والتجرؤ وكأن «كل شيء يسير على ما يرام». ويحاولون طمس حقيقة أن العديد من القادة الغربيين الذين وصلوا إلى السلطة عبر «الانتخابات» هم في الواقع دمى بيد الاستخبارات الإسرائيلية، وأنهم يغامرون بمصير بلدانهم.
ما زال الوقت مبكرًا. فالوثائق التي قد تُحدث صدمة لدى الجماهير لم تُنشر بعد بصورة كاملة ومن دون رقابة. وستُنشر وثائق أكثر فظاعة، وستنكشف تطورات أشد إثارة للرعب.
وسيتضح أن ما نُسميه «النظام العالمي» أو «النظام الدولي» ليس سوى بنية مافيوية، تتجاوز جرائم قتل الأطفال والطقوس الشيطانية والطوائف السرية.
سيتبين، ضمن هذه البنية المافيوية الشيطانية، كيف قام الذين يستخدمون سلطة الدولة ببيع مصير الشعوب للشركات متعددة الجنسيات، وكيف تحولت الشعوب إلى سلع في هذا المسار، وكيف خُططت جرائم الإبادة والاحتلالات في هذا الإطار، وكيف رُسمت مخططات نهب الموارد العالمية.
كما سيتضح إلى أي مدى وصلت خطط نشر الجوع والفقر، ومحاولات تقليص عدد السكان، والرقابة الصارمة في قطاع الأمراض والأدوية، وتحويل العالم إلى مكان صالح للعيش للنخب فقط، وغير صالح لبقية البشر.
وسنرى أن النظام الغربي قد وضع في حسبانه، للحفاظ على وجوده، حتى إمكانية القضاء على الجنس البشري.
إن وثائق إبستين لا تقتصر على الجرائم المرتكبة بحق الأطفال والانحرافات والأعمال التي نُفذت بالوكالة لصالح الاستخبارات الإسرائيلية، بل يبدو أن ثمة أمرًا أعمق وأكثر زلزالًا وشمولًا يجري اختباره.
فنحن نشهد انهيار ما يُسمى بالنظام الدولي، ونشهد سقوط النظام الغربي الذي استمر خمسة قرون. ونشاهد إفلاس جميع المؤسسات والهياكل التي أنشأوها.
تلاشى كل ما راكموه من قيم أخلاقية وسياسية وسمعة. وقد انتهت منذ زمن قدرتهم على التفوق الاقتصادي بلا منافس، والآن فُتحت أبواب الانهيار أيضًا على صعيد القوة والسلطة.
لقد انتهى النظام الأمريكي-الأوروبي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والعالم يتجه بسرعة نحو معادلة قوى جديدة لن يكون للهيمنة الغربية فيها مكان.
وستنحصر أوروبا داخل قارتها، وستبتعد عن فكرة أوروبا الموحدة وتتجه نحو الحدود الوطنية. كما أن تأخرها في حروب الموارد سيُسقطها اقتصاديًا.
وقد تصبح أوروبا أكبر خاسر في القرن الحادي والعشرين. ومن المرجح أن شعوب أوروبا تراقب كيف تحول قادة دولهم ونخبهم الحاكمة إلى أدوات في يد مافيا استخبارات تعمل بالوكالة، وسيكون لذلك بلا شك تبعات اجتماعية وسياسية.
تنشر وزارة العدل الأمريكية هذه الوثائق، ولكن بعد إخضاعها للرقابة. فما النتائج التي قد تترتب على نشر النسخ غير الخاضعة للرقابة، وعلى ملايين الوثائق الجديدة التي لم تُنشر بعد؟
وفي ظل الشراكة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لماذا يجري نشر هذه الوثائق؟ هل يطلقون النار على أقدامهم؟ ولماذا قد يفعلون ذلك؟
الزلزال الحقيقي يجري داخل الولايات المتحدة نفسها. فلا ينبغي الانخداع بالاحتجاجات المناهضة لترامب؛ إذ تبدو الولايات المتحدة وكأنها دخلت حربًا أهلية منهجية داخل بنيتها السياسية. إنها، في جوهرها، حرب داخلية أمريكية.
وفي الوقت الذي يتزعزع فيه النظام الأوروبي، تمضي الولايات المتحدة أيضًا نحو تسوية حسابات داخلية، وتعمل على تغيير نظامها الخاص. ولهذا السبب تُكشف «الأسرار القذرة» في ملفات إبستين المرتبطة بكل من الولايات المتحدة وأوروبا.
مع انهيار النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، انهارت كذلك كل المؤسسات والبنى فوق الوطنية والاتفاقيات متعددة الأطراف والأعراف والتقاليد المرتبطة به.
ولهذا يجري الآن دق المسمار الأخير في نعش هذا النظام، ما يعني أننا قد نشهد أحداثًا أكثر صدمة في الأيام المقبلة.
وقد تصبح الكارتلات التي تدير شبكات التمويل العالمية هدفًا مباشرًا، وكذلك الأقلية النخبوية التي حكمت العالم لعقود. كما قد تُستهدف أنظمة المال والموارد وشبكات السلطة المرتبطة بها. وقد تصل الأمور إلى حد بدء مرحلة مصادرة الشركات متعددة الجنسيات.
لقد استيقظ العالم، ولم يعد النظام الاستعماري القديم قادرًا على الاستمرار. كما أن الولايات المتحدة وأوروبا لم تعودا قادرتين بمفردهما على فرض الهيمنة على العالم. وإذا أرادتا أن تكونا واقعيتين، فهما مضطرتان إلى إنشاء نظام جديد وإعادة تعريف حصتهما فيه.
وتحاول الولايات المتحدة تحديدًا القيام بذلك حاليًا؛ إذ تقوم قوة داخل الغرب بتصفية جميع هياكل النظام القديم، وتعيد رسم مجال النفوذ، وتستعد لإقصاء من لا ينسجم مع المرحلة الجديدة.
إن تغيّر النظام القديم الذي كانت تديره في الغالب نخب يهودية سيؤدي إلى نتائج قاتلة بالنسبة لإسرائيل، وستتلقى الكارتلات اليهودية/الصهيونية العالمية ضربة قاسية.
كما أن آليات الرقابة والإدارة اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا باتت موضع تساؤل، وأن ردود الفعل الأوروبية تجاه الإبادة في غزة لم تكن بسبب غزة وحدها، بل كانت تعبيرًا عن غضب تجاه هذه الوصاية.
لقد دخل العالم مرحلة قد تتغير فيها حتى الخرائط الجغرافية، وقد تتبدل كتل القوة، وقد تصعد قوى عظمى جديدة بينما تكافح بعض القوى القديمة للبقاء. وهذا كله يمثل انهيار النظام الغربي.
ويجري حاليًا نشر «مضبوط» لوثائق إبستين، لكن الباب قد فُتح، ولن يكون من الممكن إخفاء بقية الوثائق مهما حاولوا، وسيضطرون إلى نشرها.
وربما لا تقتصر الفضائح على وثائق إبستين وحدها، بل قد تنكشف أيضًا شبكات تحالفات سرية أخرى وكارتلات ومهندسو النظام العالمي غير الرسمي.
ومهما فعلوا، فلن يكون بمقدورهم الحفاظ على هذا النظام، ولن تنجح مهاراتهم القديمة ولا محاولات «الفوضى المضبوطة»، لأن قوى جديدة لم يسبق للغرب أن واجهها بدأت تهز معادلات العالم.
بينما ينصب اهتمامنا على احتمال هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، فإننا لا نولي ما يكفي من الانتباه إلى الصراع الداخلي في الغرب. ومن الضروري التركيز على هذا الصراع لفهم طبيعة التحولات الجارية.
ويبدو أن هناك مراجعة داخلية عميقة ومحاولات لإعادة الهيكلة، وهو ما يمر عبر محاسبة البنى القديمة المتورطة في الجرائم والفساد والعمل السري، وتفكيك النظام القديم، وهو ما تحاول الولايات المتحدة القيام به حاليًا.
كنت قد كتبت في مقال سابق أن جميع الجبهات التي عملت إسرائيل عليها لعقود قد انهارت، وأن محاولاتها لإضعاف الدول القوية في المنطقة عبر سوريا واليمن والسودان والصومال قد ارتدت عليها.
كما أن الحروب التي أدارتها عبر تنظيمات مثل «داعش» و«تنظيم واي بي جي/بي كا كا» و«حركة الشباب» قد انقلبت ضدها.
وهي تحاول الآن دفع الولايات المتحدة لمهاجمة إيران بهدف إقامة «جبهة أو دولة صديقة لإسرائيل» هناك، لأن إسرائيل أصبحت معزولة في المنطقة، كما أن الإمارات ألحقت ضررًا كبيرًا بنفسها بسبب سياساتها المرتبطة بإسرائيل.
لكن سيناريو إيران قد ينتهي أيضًا بالفشل، إذ تشير المواقف الحازمة لدول المنطقة في منع الحرب إلى أنها أدركت هذا المخطط.
إن إسرائيل كانت بمثابة «حامية القرن العشرين». وكانت ضرورية للولايات المتحدة وأوروبا في تلك المرحلة، لكنها لم تعد كذلك اليوم، بل أصبحت عبئًا ثقيلًا عليهما، وهما تخسران العالم بسببها، ولن تتحملا هذا العبء طويلًا.
وكما يظهر في وثائق إبستين، حاولت الاستخبارات الإسرائيلية ضمان ولاء القادة الأوروبيين عبر استغلال نقاط ضعفهم وربطهم بها.
لكن هذه الشبكة انكشفت الآن، ولم يعد لأولئك القادة مستقبل، ومن المرجح أن ينهار النظام المرتبط بإسرائيل في أوروبا. كما تحاول الولايات المتحدة التخلص من صورة «الدولة اليهودية» ومن فكرة الحصانة المرتبطة بها، وهو ما يشكل أحد الأسباب الرئيسية للصراع الداخلي المنهجي داخلها.
ربما تكون تركيا من أكثر الدول استعدادًا للعالم الجديد، ولهذا تسير منذ عشر سنوات بعزم لافت، كما أنها تتعرض لهجمات داخلية شديدة، لكنها لن تتعثر. وكلما ازدادت قوة تركيا ضاق المجال أمام إسرائيل أكثر.
ولفهم الاتجاه الذي تسير إليه الأحداث، من المفيد متابعة صراع القوى داخل الولايات المتحدة وتسوياتها الداخلية خطوة بخطوة، فكل المؤشرات تظهر هناك. ويجب أن نكون مستعدين لموجات صدمة جديدة.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة