
أدلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأثينا بتصريحات خرجت عن ضبط النفس، ووجّه تهديدًا لتركيا قائلاً:«إذا هددت تركيا اليونان، فسنكون إلى جانب اليونان. وإذا تم تهديد سيادتها، فاعلموا أننا سنكون هنا.»
ولم يكتفِ ماكرون بذلك، بل وعد أيضًا بوضع اليونان تحت «المظلة النووية». وبالطبع كان رد روسيا شديدًا، لكن الهدف الحقيقي لماكرون كان تركيا، ويبدو أن هذا التصريح يعكس في العمق نزعة غير واعية نحو التهديد النووي ضد تركيا.
تخيلوا أننا نتحدث عن ماكرون؛ الذي تلقّى صفعة من زوجته، والذي أصبح مادة للسخرية لدى ترامب، ولا يملك أي وزن حقيقي في السياسة العالمية، والذي يحاول لفت الأنظار في كل تجمع دولي، ويتلقى التوبيخ من الرئيس أردوغان في قمم العشرين.
ماكرون وفرنسا «لاعب صغير»
تصريحات ماكرون وتهديداته لا تمثل لنا أي أهمية، فهو ليس شخصية تستحق أن تُؤخذ على محمل الجد. ففرنسا بقيادته تتجه لتكون أكبر خاسر في القرن الحادي والعشرين. لقد طُردت من معظم دول وسط أفريقيا، وحتى مستعمراتها السابقة لم تعد تأخذها بجدية.
بعد خسارة موارد أفريقيا، تواجه فرنسا أزمة اقتصادية كبيرة. وعلى المستوى الجيوسياسي، فقدت نفوذها في أفريقيا والشرق الأوسط بشكل واسع. ولم يعد هناك من يرى فرنسا أو ماكرون كمركز ثقل في النظام العالمي. إنه يُنظر إليه في كل طاولة أو ساحة أو قمة على أنه «لاعب صغير».
أول من انسحب من الأناضول
والآن من أفريقيا أيضًا
بسبب سياسات نمط ماكرون، خسرت فرنسا كل مكاسبها بعد الحرب العالمية الثانية. وفي إعادة تشكيل موازين القوة العالمية في القرن الحادي والعشرين تقلص دورها بشكل كبير، ومن المتوقع أن يستمر هذا التراجع.
فرنسا خسرت حيثما واجهت الأتراك. بعد الحرب العالمية الأولى، وبدفع من البريطانيين، انضمت إلى اليونان واحتلت غازي عنتاب وشانلي أورفا ومرعش، لكنها كانت أول من فرّ عندما بدأت مقاومة الأناضول.
واليوم تعيش فرنسا أزمة عميقة. ففي كل منطقة تغادرها في أفريقيا، تزداد تركيا حضورًا. وكلما اقتربت دول وسط أفريقيا من تركيا، ازداد إقصاء فرنسا. وهذا الغضب يتم توجيهه من قبل ماكرون نحو تركيا، لكنه لا يؤخذ على محمل الجد.
«نحن نحمي تنظيم واي بي جي»… فأين هذا التنظيم الآن؟
فرنسا مجبرة على بناء سياساتها مع «لاعبين صغار»: مثل اليونان، وقبرص اليونانية، وتنظيم PKK، وغيرها من التنظيمات المشابهة. ولم يعد لفرنسا أي قدرة ردع في شرق المتوسط ضد تركيا.
فرنسا التي رفعت شعار دعم تنظيم واي بي جي، واعتبرت ذلك «واجب شرف»، ودعمتها بكل الوسائل، بل وساهمت شركة لافارج في بناء آلاف الكيلومترات من الأنفاق، فقدت نفوذها في سوريا خلال أسبوعين فقط. لقد اعتمدت دائمًا على عناوين خاطئة، وحين خسرت «شركاءها» انهارت في كل المناطق.
تهديد نووي لتركيا… ستكون له عواقب
إن تصريح «وضع اليونان تحت المظلة النووية» قد يكون خطوة انتحارية لفرنسا. ويبدو أنهم لم يفكروا جيدًا في معنى هذا التهديد وتبعاته.
هذا التصريح لم يكن موجهًا ضد روسيا فقط، بل ضد تركيا أيضًا. وعبارة «الحماية النووية» تعني ضمنيًا التهديد باستخدام السلاح النووي، وقد تم تسجيلها.
وإذا كان مجرد القول «سنقف إلى جانب اليونان إذا هاجمت تركيا» يحمل عدائية كافية، فإن التهديد النووي يمثل نقطة تحول خطيرة.
تركيا في كل الجغرافيا ستُقلق فرنسا
أي دولة تهدد تركيا نوويًا ستجد نفسها غير مستقرة في البلقان، والمتوسط، والشرق الأوسط، وأفريقيا. تركيا سترد، لكن بصبر، وهدوء، وتخطيط دقيق.
تركيا لا تأخذ خفة ماكرون على محمل كبير، لكنها ستتعامل بجدية مع التحالف الدفاعي بين فرنسا واليونان، ومع محاولات تشكيل جبهة غربية ضدها في غربها.
ستتعامل أنقرة مع مصادر التهديد في شرق المتوسط، وبحر إيجه، وتراقيا، وستتخذ الإجراءات اللازمة. سواء كانت هذه الإجراءات دفاعية أو غير ذلك، فاليونان تدرك ذلك جيدًا.
«الجبهة الغربية» ضد تركيا
التحالفات العسكرية بين اليونان وقبرص وإسرائيل، وقواعد الولايات المتحدة في الجزر، وتحويلها إلى مخازن أسلحة إسرائيلية وأمريكية، أصبحت تُعتبر تهديدًا مباشرًا لتركيا.
ومع انضمام فرنسا إلى هذا المحور، باتت هناك جبهة غربية ممتدة من شرق المتوسط إلى البحر الأسود، حيث تُستخدم قواعد الناتو أيضًا كقواعد لإسرائيل.
هذه ليست دفاعًا بل استعداد للهجوم
تم تسويق هذه التحركات على أنها «حماية أوروبا من روسيا»، لكنها في الحقيقة ليست كذلك. قبرص واليونان تحولا إلى قواعد عسكرية إسرائيلية، وتم إخراج الملف من كونه نزاعًا يونانيًا تركيًا إلى كونه ملف وصاية دولية.
هذه ليست تحضيرات دفاعية، بل استعدادات هجومية تستهدف إسطنبول والمضائق.
تركيا لن تبقى في موقع الدفاع
تركيا دولة تعيد تشكيل التوازنات من الخليج إلى شرق أفريقيا، وتبني نظامًا جديدًا في شرق المتوسط. وستفكك هذه الخطط أيضًا، لكنها ستعرض الصورة بوضوح.
لا يمكن لأي دولة أن تدافع عن نفسها وهي محاصرة من البحر. لذلك فإن خرائط البحر المتوسط وبحر إيجه يجب أن تعاد قراءتها من جديد وفق الحقائق الجغرافية.
منطق الردع يتغير
لم يعد ممكنًا حماية النفس فقط بالدفاع. في عالم اليوم، «التهديد يُقابل بالتهديد». ومن يريد فرض حصار على تركيا في البحار والمضائق، عليه أن يعلم أن التوازنات ستُعاد تشكيلها.
قوى أخرى ونوايا الغرب
هناك أيضًا خطاب سياسي في الغرب يكشف عمق هذه العقلية، مثل مرشح في أمريكا يقترح إعادة آيا صوفيا للكنيسة الأرثوذكسية وفرض عقوبات تجارية على تركيا حتى ذلك الحين. هذا يعكس الذهنية الغربية العميقة تجاه المنطقة.
الحاجة إلى مظلة نووية إقليمية
يجب إنشاء مظلة ردع نووي إقليمي عاجل، وأن تمتلك تركيا والسعودية وإيران ومصر وباكستان قوة نووية متوازنة. لأن المرحلة القادمة ستفرض ذلك.
في النهاية، ماكرون ليس قائدًا قادرًا على تهديد تركيا، وفرنسا ليست دولة قادرة على كبحها. لكننا نراقب بدقة تراكم السحب السوداء في البوابة الغربية. وماكرون لا يفعل سوى الكشف المبكر عما يُخطط له.
هم إن كانوا يضعون خططًا فنحن أيضًا نضع استعداداتنا.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة