مرحبًا بعام 2026

09:0522/12/2025, الإثنين
تحديث: 31/12/2025, الأربعاء
سليمان سيفي أوغون

لم تعد تفصلنا سوى أيام قليلة. فبعد نحو عشرة أيام سنبدأ بدخول عام 2026. هذا بدء التقويم يثير الرغبة في إجراء بعض المراجعات، سواء على المستوى المحلي أو العالمي. ولنرفع أولاً — على مستوى النية والتمنّي — دعاءنا بأن يحمل العام الجديد، وفي مقدّمته إلى غزة، وإلى منطقتنا والعالم كله، السلام والأمن. ثم لِنَعُد بعد ذلك إلى الوقائع… إنّ يوم 31 كانون الأول/ديسمبر، أي اليوم الأخير من هذا العام، يمثّل بالنسبة لتركيا موعدًا نهائيًا. فهو التاريخ الذي مُنح فيه لتنظيم PKK في سوريا، بموجب اتفاق مارس الموقّع بين دمشق

لم تعد تفصلنا سوى أيام قليلة. فبعد نحو عشرة أيام سنبدأ بدخول عام 2026. هذا بدء التقويم يثير الرغبة في إجراء بعض المراجعات، سواء على المستوى المحلي أو العالمي. ولنرفع أولاً — على مستوى النية والتمنّي — دعاءنا بأن يحمل العام الجديد، وفي مقدّمته إلى غزة، وإلى منطقتنا والعالم كله، السلام والأمن. ثم لِنَعُد بعد ذلك إلى الوقائع…

إنّ يوم 31 كانون الأول/ديسمبر، أي اليوم الأخير من هذا العام، يمثّل بالنسبة لتركيا موعدًا نهائيًا. فهو التاريخ الذي مُنح فيه لتنظيم PKK في سوريا، بموجب اتفاق مارس الموقّع بين دمشق والحسكة، أجلٌ لتنفيذ قرار “الاندماج” وتحمل ما يقع على عاتقه بهذا الخصوص. أمّا ما الذي يمكن أن يحدث بعد ذلك، فلم يتم طرحه بشكل واضح. لكن إذا أردنا أن نجري تقييمًا منطقيًا بسيطًا، فإن أول احتمال يتبادر إلى الذهن هو قيام تركيا بعملية عسكرية ضد PKK في سوريا شرق الفرات حيث يفرض سيطرته. دعونا أوّلًا نبحث مدى واقعية هذا الاحتمال، وإذا ما تم تنفيذه، فما السيناريوهات المحتملة.


يمكننا القول إن لدى تركيا خطط استعداد متعددة لهذه العملية المحتملة. ورأيي الشخصي أن السيناريو الأبرز ليس تدخّلًا عسكريًا مباشرًا في المرحلة الأولى، بل دعمُ عملية واسعة النطاق قد تقوم بها دمشق والعناصر الموالية لها على خط الفرات — حيث تدور أصلًا اشتباكات متقطعة — بدلاً من دخول تركيا مباشرة على الخط. فإلى أي مدى يمكن أن تكون حظوظ النجاح لهذه العملية؟ كثير من المحللين الذين أتابعهم يرون أنها لن تحقق النتيجة المرجوّة. بل إنهم يؤكدون أنه إذا بدأ تحقيق أي نجاح على هذا المسار، فلن تقف “إسرائيل” مكتوفة الأيدي، وستقدم دعمًا عسكريًا لـ PKK، بل وستنخرط في الاشتباكات. عندها يمكننا القول إن دخول الجيش التركي على خط المواجهة سيصبح أمرًا لا مفر منه، وقد تؤدي هذه الاشتباكات إلى حرب تركية–إسرائيلية تقع ساحتها في سوريا.


هذا السيناريو، بطبيعة الحال، لا يخدم الولايات المتحدة. فأمريكا لم تأخذ الاشتباكات بين جيش دمشق وتنظيم PKK في غرب الفرات على محمل الجد حتى الآن. كما أن دعم واشنطن لدمشق لا يزال مستمرًا بصورة غير مباشرة. ويظهر ذلك جليًا من موقفها بعد هجوم تنظيم داعش في تدمر، والذي انتهى بمقتل بعض الجنود الأمريكيين هناك. ورأيي الشخصي أن منفذي الهجوم وإن كانوا من داعش، إلا أن العملية من حيث الجوهر نظمتها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، لمنح الانطباع بأن دمشق ليست قادرة على ضبط الأمن، ولإظهار مدى “الحاجة” إلى PKK داخل سوريا. ومع ذلك، لم تقع الولايات المتحدة في الفخ ولم تُحمّل دمشق المسؤولية مباشرة، لكنها في الداخل أدركت جيدًا أهمية دعمها لـ PKK بالنسبة لها. وهنا يطرح سؤال نفسه: إلى أي مدى ستسمح واشنطن — في ظل هذه الظروف — بانتقال الاشتباكات إلى شرق الفرات، أو تحوّلها إلى تدخلات واسعة قد تؤول حتمًا إلى مواجهة تركية–إسرائيلية؟


ومن ناحية أخرى، نلاحظ وجود توترات متعددة بين الولايات المتحدة وتل أبيب لا تزال دون حل. وهذه التوترات ذات شقّين متداخلين: الأول مرتبط مباشرة بالخطة المتعثرة بشأن غزة. “إسرائيل” تعرقل المسار، وهذا يضع ترامب في موقف صعب. وسنرى في القمة المرتقبة بين ترامب ونتنياهو إن كانا سيتوصلان إلى تفاهم أم لا. فإذا لم يُتوصل إلى اتفاق، فهذا يعني أننا سنشهد خلال عام 2026 أخبارًا ومشاهد أشد قسوة في غزة. موقف تركيا واضح للغاية: فهي تقف في “المكان الصحيح من التاريخ”، وتواصل دعم قضية فلسطين. وهذا بدوره يضعف رغبة ترامب في المضيّ قدمًا عبر التوفيق بين تركيا و”إسرائيل”. وفي عام 2026 سيجد ترامب نفسه مضطرًا لاتخاذ قرار: إمّا أن يجد صيغة وسط ترضي الطرفين، أو أن يختار أحدهما. لكن، إلى أي مدى تُعد “الصيغة الوسط” ممكنة؟ فـ“إسرائيل” أعلنت بشكل واضح وحازم أنها لا تريد قوات تركية في غزة. وربما تحاول الولايات المتحدة إدخال باكستان على الخط لإرضاء تركيا و”إسرائيل” في الوقت نفسه. وقد تكون زيارة القائد الباكستاني المشير منير إلى واشنطن — حيث استُقبل باستقبال رفيع المستوى — مرتبطة بهذا.


غير أن الصورة تصبح أكثر تناقضًا حين ننتقل إلى الملف السوري. فـ“إسرائيل” تواصل — عبر ضم اليونان، والإدارة اليونانية لقبرص الجنوبية، بل وأحيانًا مصر — تحويل عدائها لتركيا في شرق المتوسط إلى حالة من التطويق. والولايات المتحدة لا تعترض على ذلك. أما في سوريا، فما تزال واشنطن في حالة ارتباك. فهي كثيرًا ما تؤكد أهميّة تركيا بالنسبة لها، لكن مسار الأحداث لم يعد يسمح لها بالاستمرار في هذا الموقع المتذبذب. وهناك احتمالان:

إمّا أن ترى الولايات المتحدة أن “المبالغة الإسرائيلية” تُفشل خططها العالمية، فتمنح الأفضلية لتركيا وتُخرج “إسرائيل” من المعادلة في سوريا — لكن يمكننا تقدير أن ثمن ذلك سيكون باهظًا جدًا على ترامب، إذ سيواجه غضب رأس المال اليهودي العالمي وأذرعه في الولايات المتحدة، خصوصًا في الكونغرس.

أمّا الاحتمال الثاني — وهو ثقيل للغاية بالنسبة لتركيا — فيتمثل في تقليص دور تركيا في الشرق الأوسط إلى حد بعيد (ولو لم يكن كليًا)، وربما العمل على إدخالها في الفضاء الأوروبي حيث تُدَقّ طبول الحرب. وهذا الاحتمال — وأقولها بقلق عميق — ليس بعيدًا. ومن الحكمة متابعة برود العلاقات بين تركيا وروسيا في هذه الفترة بدقة شديدة.


تعتمد هذه التقييمات على معلومات مفتوحة وملاحظات شخصية، وهي بطبيعة الحال تقديرات ذاتية. فدولة بحجم الجمهورية التركية، وهي دولة جدية، ترى بالتأكيد ما هو أبعد مما أراه، وبصورة أعمق، وتعمل على تحديث خططها بصورة ديناميكية، وتُجري استعداداتها وفقًا لذلك. وتوقّعي أن يتم تمديد المهلة المتعلقة بـ“اتفاق مارس”، الأمر الذي سيمنح بعض الوقت. لكن يمكنني القول منذ الآن إن فصل الربيع سيكون صعبًا للغاية.

#تركيا
#سوريا
#شرق الفرات
#غزة إ
#الولايات المتحدة
#الشرق الأوسط