مستقبل مشترك

09:0421/01/2026, Çarşamba
تحديث: 23/01/2026, Cuma
طه كلينتش

في المرحلة الإسلامية الطويلة والمليئة بالآلام من تاريخ القدس، يمكن الحديث عن ثلاث محطات مفصلية كبرى: أولى هذه المحطات تمثلت في تسلم الخليفة الراشدي الثاني، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، المدينة عام 638م بنفسه باسم المسلمين. وقد تحولت الترتيبات والتنظيمات التي أقرها آنذاك إلى نموذج سياسي يُحتذى به لمن جاء بعده في القدس. ولم تكن طريقة انتقال المدينة إلى الحكم الإسلامي، ولا النظام المتكامل الذي أُسِّس بعدها، حدثًا عابرًا، بل شكّلت مثالًا وأساسًا لمنهج الإدارة الذي ستقيمه الدولة العثمانية لاحقًا في الأراضي

في المرحلة الإسلامية الطويلة والمليئة بالآلام من تاريخ القدس، يمكن الحديث عن ثلاث محطات مفصلية كبرى:

أولى هذه المحطات تمثلت في تسلم الخليفة الراشدي الثاني، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، المدينة عام 638م بنفسه باسم المسلمين. وقد تحولت الترتيبات والتنظيمات التي أقرها آنذاك إلى نموذج سياسي يُحتذى به لمن جاء بعده في القدس. ولم تكن طريقة انتقال المدينة إلى الحكم الإسلامي، ولا النظام المتكامل الذي أُسِّس بعدها، حدثًا عابرًا، بل شكّلت مثالًا وأساسًا لمنهج الإدارة الذي ستقيمه الدولة العثمانية لاحقًا في الأراضي التي انتزعتها من الحكم المسيحي.

أما المحطة الثانية، فقد بدأت مع الاحتلال الإفرنجي الذي انطلق بوحشية الصليبيين عام 1099م، حيث غرقت القدس في آلام عميقة، وتعرّض نسيجها التاريخي والثقافي لجراح جسيمة. ولم يكتفِ الإفرنج بالاعتداء على المسلمين، بل هاجموا حتى إخوانهم من أتباع المذهب الأرثوذكسي، ليُسجّلوا بذلك واحدة من أكثر الغزوات همجية في تاريخ البشرية. وبعد 88 عامًا من الاحتلال، وتحديدًا عقب النصر الذي حققه الجيش الإسلامي بقيادة صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين يوم 4 تموز/يوليو 1187م، عادت القدس مجددًا إلى حضن الإسلام، وسُلّمت إلى أيادٍ أمينة.


أما المحطة الثالثة، فتمثلت في حملة السلطان سليم الأول على بلاد الشام والحجاز ومصر، الممتدة من أواخر عام 1516م إلى مطلع 1517م، وهي الحملة التي غيّرت موازين القوى في الشرق الأوسط، وفتحت الباب أمام ما عُرف لاحقًا بـ«القرون العثمانية» التي استمرت دون انقطاع لمدة 401 عام. ويكاد المؤرخون يُجمعون على أن هذه المرحلة كانت الأكثر هدوءًا واستقرارًا في تاريخ القدس. غير أن الآلام التي بدأت مع اضطرار الدولة العثمانية إلى الانسحاب من المنطقة في 9 كانون الأول/ديسمبر 1917م ما تزال مستمرة حتى اليوم، بكل حرارتها وواقعيتها.


إن أولئك الذين دشنوا هذه المنعطفات الكبرى في تاريخ القدس ينتمون إلى أعراق مختلفة: عمر بن الخطاب عربي، وصلاح الدين الأيوبي كردي، والسلطان سليم الأول تركي. لكنهم جميعًا نظروا إلى قضية القدس من منظور إسلامي خالص، واتخذوا خطواتهم على الأساس نفسه، وجعلوا الإسلام نقطة الارتكاز الرئيسة في قضيتهم. وهكذا تحوّلت القدس، عبر التاريخ، إلى قضية مشتركة ووجدان جامع للمسلمين على اختلاف أعراقهم. ولعلّ هذا أحد أعظم الدروس التي تقدّمها لنا اليوم.


وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند سمة إضافية بالغة الأهمية في شخصية صلاح الدين الأيوبي:

فقد عمل صلاح الدين تحت راية السلالة الزنكية التركية، التي كانت تمارس السلطة والنفوذ في حوض بلاد الشام باسم الدولة السلجوقية الكبرى، ولم يقدّم الإسلام في أي مرحلة من مسيرته العسكرية والسياسية على أي دعوى أو ادعاء آخر. لقد تضافر الزنكيون الأتراك والأيوبيون الأكراد، وتكاتفوا يدًا بيد في مواجهة العدو المشترك، وتحركوا معًا من أجل اقتلاعه من أرض الإسلام. وكانت هذه الشراكة عميقة إلى حد أن حلم نور الدين زنكي، أتابك حلب ودمشق، بتطهير القدس من الصليبيين، تحقّق على يد صلاح الدين من حيث انتهى هو. بل إن صلاح الدين نقل المنبر الخشبي البديع الذي شيّده نور الدين في حلب ووضعه في الجامع الكبير هناك، إلى المسجد الأقصى، حيث أُقيم في المصلى القبلي.


وكلما تحدثت عن القدس، أحرص على التوقف مطولًا عند هذا الإطار الذي رسمته آنفًا. ذلك أنني أعتقد جازمًا أنه إذا كان للمسلمين مستقبل مشترك في جغرافيا الشرق الأوسط اليوم، وإذا كانت هذه الأرض ستنال يومًا ما حكمًا كريمًا وعادلًا بحق، فلا بد للفاعلين المسلمين من النظر إلى القضايا من هذه الزاوية. فكلما ازداد عدد الأبطال المخلصين الذين يهبون أنفسهم لقضية الإسلام، ازدادت قوة أملنا بالخلاص، في تقديري.


إن شرارات الفتنة التي أشعلتها بعض الجهات، بالتزامن مع عمليات الجيش السوري ضد الجماعات الإرهابية التي احتلت حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، تفرض علينا إعادة التفكير بعمق، ولا سيما في نموذج صلاح الدين الأيوبي. كيف نريد أن يُسجّلنا التاريخ؟

أكأبطال نذروا أنفسهم لقضية الإسلام ولسلامة المسلمين؟

أم كدمى رخيصة وبيادق فاقدة لكل قيمة، بأيدي غرباء لا همّ لهم سوى استغلال أرض الإسلام؟


أدرك أن كتابة مقالات كهذه في هذا الزمن الضيّق، حيث تُقال الأكاذيب بلا حرج، قد تبدو «مفرطة في المثالية». لكن، مهما كانت الظروف، لا بد لنا من التمسك بخط الإنصاف والحقيقة.

إذا كان لنا مستقبل مشترك على هذه الأرض…

#صلاح الدين الأيوبي
#الأكراد
#الإسلام
#الأمة الإسلامية