
تشير بوادر المشهد السياسي في الولايات المتحدة إلى أنّ سياسة الدعم غير المشروط لإسرائيل، التي كانت لفترة طويلة محلّ إجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي، باتت تواجه تساؤلات جدّية داخل القواعد الشبابية لكلا الحزبين، ما يضع السياسيين المؤيدين لإسرائيل في موقف حرج. وفي الوقت نفسه، يُلاحظ أنّ شريحة واسعة من الشباب اليهود في أمريكا بدأت تنأى بنفسها عن إسرائيل. ولهذا، يعترف السياسيون الذين يرفعون شعار "إسرائيل أولاً" بأن تآكل هذا الدعم بات "مشكلة جيلية".
وكان الموضوع الرئيسي لــ"الجمعية العامة لاتحادات اليهود في أميركا الشمالية" ، التي انعقدت هذا الشهر في واشنطن، هو التحولات السلبية المتزايدة تجاه إسرائيل في أوساط كلا التيارين السياسيين في الولايات المتحدة. وبحسب المعلومات التي نقلتها وسائل الإعلام الأمريكية، فقد شارك في الجمعية العامة نحو 2000 ممثل عن ما يقارب 150 منظمة يهودية من الولايات المتحدة وكندا. وتمحورت جلسات المؤتمر حول سؤال واحد: "لماذا تحوّل الجيل الجديد من الأميركيين ضد إسرائيل؟"
ولفت الانتباه كذلك غياب أيّ مشاركة من إدارة ترامب في فعاليات الجمعية، وكذلك غياب أعضاء من حكومة نتنياهو، واكتفى الأخير بتوجيه رسالة عبر فيديو مسجل. وذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أنّ نتنياهو لم يُدعَ للمشاركة هذا العام للمرة الأولى. وترى بعض التحليلات أن "JFNA" تجنبت أن تبدو وكأنها متماهية مع حكومة نتنياهو، بسبب ردود الفعل السلبية المتزايدة في الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل.
وتفيد التعليقات بأنّ هناك قناعة متنامية بأنّ نتنياهو وحكومته أصبحا يسببان ضرراً لليهود الأميركيين. كما أظهر استطلاع أجراه "معهد سياسات الشعب اليهودي" في أكتوبر الماضي أنّ العلاقات بين يهود الولايات المتحدة وإسرائيل ازدادت توتراً. ووفقاً لمعلومات نقلها مراقبون حضروا المؤتمر، فقد عبّر عدد قليل جداً من المشاركين عن خيبة أملهم من غياب أعضاء حكومة نتنياهو عن الفعاليات.
من جهتهم، شدد السيناتور الجمهوري المسيحي-الصهيوني تيد كروز والسيناتور الديمقراطي جون فيترمان على أنّ تآكل الدعم لإسرائيل بين الشباب يمثل خطراً كبيراً. وقال كروز: "خلال الأشهر الستة الماضية، شهدتُ تصاعداً في معاداة السامية في اليمين لم أرَ له مثيلاً من قبل طوال حياتي"، مضيفاً: "آمل أن ينهض الجمهوريون الآخرون ويتخذوا موقفاً واضحاً يرسم حدوداً لا يمكن تجاوزها".
أما فيترمان، الذي اتهم تطبيق "تيك توك" بأنه يدفع الشباب نحو مواقف مناهضة لإسرائيل، فشدّد على تغيّر المزاج العام في القواعد الشعبية، قائلاً: "نحن نخسر الشباب، وبشكل خاص الشباب".
وقال رحم إيمانويل، رئيس بلدية شيكاغو السابق، والذي يُتوقع أن يترشح عن الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة لعام 2028، إنّ المشاعر السلبية تجاه إسرائيل ستكون مؤثرة في الانتخابات التمهيدية، إلى درجة أنّ بعض المرشحين قد يتجنبون السفر إلى إسرائيل. ودعا إيمانويل المشاركين إلى مواجهة الديناميات السياسية المتغيرة حول إسرائيل، والعمل على بناء حجج أقوى لدعم التحالف الأمريكي–الإسرائيلي.
وأشار إيمانويل إلى أنّ الدعم لإسرائيل بين الأميركيين تحت سن الثلاثين في أدنى مستوياته تاريخياً، مضيفاً: "هؤلاء هم الناخبون المستقبليون الذين يحملون رسالة سياسية مهمة جداً". كما قال: "مهمتنا هي إعادة بناء رواية طويلة المدى حول احتياجات إسرائيل. إذا فشلنا في إدراك عمق المشكلة، فلن نستطيع إصلاحها أبداً".
أما سارة هورفيتز، الكاتبة السابقة لخطابات الرئيس باراك أوباما ومستشارته، فقد نبّهت إلى أن "التعليم عن المحرقة" الموجّه للشباب، والذي يهدف إلى إبقاء جرائم النازيين بحق اليهود في الذاكرة، بات يأتي بنتائج عكسية. واشتكت من أنّ الشباب لا يرون فرقاً كبيراً بين ما فعله النازيون باليهود وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين.
وذكّرت هورفيتز بأن الأميركيين كانوا يحصلون على أخبارهم المتعلقة بإسرائيل عبر ما تصفيه لهم وسائل الإعلام التقليدية، إلا أن هذا الأمر تغيّر. ومثل بقية المتحدثين، ألقت اللوم على "تيك توك"، قائلة: "نحن نواجه الآن صراعاً جيلياً جديداً، وأعتقد أن السبب الأساسي لذلك هو أنّ وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الإعلامي الرئيسي لدينا".
وأوضحت هورفيتز أنّ علاقة اليهود الأميركيين بإسرائيل يجب أن تكون دينية وعرقية في آنٍ معاً، محذّرة من أنّ النظر إلى يهود إسرائيل فقط من زاوية الأخوّة الدينية قد يقود إلى معاداة الصهيونية. ورأت أن الحلّ يكمن في أن يتحرك يهود أمريكا ويهود إسرائيل بروح "أمّة واحدة" مهما كانت الظروف.
وتكتسب فعاليات الجمعية العامة لـ اتحادات اليهود في أميركا الشمالية أهمية خاصة لأنها تعكس كيف تفتت "الرواية الإسرائيلية" في الولايات المتحدة والعالم، من وجهة نظر الصهيونيين أنفسهم. ويبدو أنّ الصهيونيين عاجزون عن إيجاد وسيلة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. أما محاولة وصم انتقاد إسرائيل بأنه "معاداة لليهود" ومعاقبة من يعبّر عنه، فليست سوى مظهر آخر من مظاهر هذا العجز.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة