"القرية البولندية" بإسطنبول.. تراث ثقافي حي منذ 180 عاما

10:5930/11/2025, Pazar
الأناضول
"القرية البولندية" بإسطنبول.. تراث ثقافي حي منذ 180 عاما
"القرية البولندية" بإسطنبول.. تراث ثقافي حي منذ 180 عاما

- مهاجرون بولنديون أسسوا قرية "بولونيزكوي" على أطراف إسطنبول منذ 180 عاما - القرية تجمع بين الطبيعة والتاريخ وأصبحت ملاذا للهاربين من صخب المدينة - مختار القرية: القرية جميلة في كل الفصول حتى شتاؤها يتحول إلى لوحة خيالية عندما تتساقط الثلوج - مدير مطعم بالقرية: سكان القرية يشعرون بسعادة عندما يعرفون الزوار بهويتهم - سائح بولندي: تركيا بلد رائع والبولنديون يزداد فضولهم تجاهها

على أطراف مدينة إسطنبول التركية، تلوح للناظرين قرية "بولونيزكوي" كاستراحة هادئة تجمع بين الطبيعة وتاريخ يعود إلى قرابة 180 عامًا، حينما أسسها مهاجرون بولنديون في منتصف القرن التاسع عشر.

ومنذ ذلك الوقت، ظلت القرية ملاذًا للراغبين بالابتعاد عن صخب المدينة، واستكشاف لمسات الثقافة البولندية بين أشجار الغابات.

وتقدّم القرية لزوارها مزيجا فريدا من هدوء الريف والطابع الأوروبي، ما جعلها على الدوام إحدى أبرز الوجهات لعشاق الهواء الطلق والباحثين عن تجارب ثقافية مميزة.

**كنيسة ومقبرة

عند مدخل بولونيزكوي، تطالع الزائرين معالم بارزة، أبرزها كنيسة القرية، والمقبرة الكاثوليكية، ومنزل "الخالة زوشيا" التذكاري، إلى جانب ميدان تتجاور فيه الأعلام التركية والبولندية.

كما تتمركز في المدخل لوحات تروي قصة تأسيس القرية، إضافة إلى ختم عثماني، وتمثال نصفي لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.

ووفق المعلومات المتوافرة في المراجع التاريخية وشهادات السكان، فقد أسس الأمير البولندي آدم تشارتورسكي عام 1841 ممثلية لبلاده في إسطنبول، ثم اجتمع على أراضي القرية جنود بولنديون قاتلوا إلى جانب الدولة العثمانية في حرب القرم.

وبعد انتهاء الحرب عام 1856، استقر الجنود مع عائلاتهم وأطلقوا على المكان اسم "أدامبول" أي "حقل آدم"، ثم تغيّر الاسم رسمياً عام 1923 إلى "بولونيزكوي" والتي تعني بالعربية (القرية البولندية).

ويسكن في القرية نحو 35 شخصا من أصول بولندية، ضمن تعداد يقارب 370 نسمة، فيما تحمل شوارعها وأحياؤها أسماء بولندية مثل "آدم ميكيفيتش"، بينما تحمل بيوت الضيافة أسماء قديمة مثل "فريدي"، و"لودفيك"، و"ليو".

ويقصد أهالي إسطنبول القرية في عطلة نهاية الأسبوع (السبت والأحد)، للاستمتاع بالغابات ومسارات المشي والنُزُل الريفية.

أما الإرث الذي حافظت عليه القرية، فهي أن مطاعمها تعنى بإعداد الأطباق البولندية، بينما ما يزال بعض كبار السن يتحدثون اللغة البولندية القديمة المتوارثة من الأجداد.

وتزداد الحركة في القرية خلال عيد الميلاد الذي يوافق 25 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام وفق التقويم الغربي، حيث تزيّن العائلات منازلها ومحالها التجارية، وتُحضَّر مأكولات خاصة بالمناسبة، في مشهد يعكس امتزاج الهوية البولندية بالبيئة التركية.

** عمارة بولندية

ولرصد أهم معالم القرية وجماليتها، التقت الأناضول مع مختارها، أوزر أوقوموش، الذي انتقل إلى القرية بعمر سبع سنوات بعد تعيين والده معلما فيها.

يقول أوقوموش إن المنطقة من أجمل أماكن إسطنبول، فالهواء نقي والطبيعة ساحرة، ويأتي الناس للإفطار والتنزه.

ويضيف أن "القرية جميلة في كل الفصول، حتى شتاؤها يتحول إلى لوحة خيالية عندما تتساقط الثلوج".

ويشير إلى أن القرية "تضم نماذج من العمارة البولندية الخشبية، رغم التغييرات التي طرأت على بعضها عبر السنين".

ويتابع مبتسمًا: "بينما يكبر أطفال الأناضول مع أحمد وعلي، أنا كبرت مع أعمام بأسماء مثل أوليغ، وإيدِك، وفِينتشو، واليوم يواصل دانييل وبولِك وفريدي الحفاظ على هذا التراث".

ومتحدثا عن مهرجان الكرز الذي يقام صيفا بالقرية، يقول المختار إنه "يجذب فرق رقص فولكلورية من بولندا، ويقدم تجربة خاصة إلى الزائرين".

** روح القرية

من جهتها، تقول آنا فيلكوشيفسكي، إحدى أقدم أهالي بولونيزكوي، إن القرية كانت في السابق أكثر اكتظاظا بالبولنديين، لكن كثيرين منهم غادروها مع مرور السنوات.

وتضيف فيلكوشيسفكي للأناضول: "عشنا أياما صعبة هنا، لكن أجمل ما في حياتنا أننا احتفظنا بروح القرية، حيث كنا نبيع الزبدة والبيض في إسطنبول، ونزرع الحقول، ونقيم المسرحيات القديمة التي كانت جدّاتنا تُخرجها وتقدمها".

وتؤكد أن "العائلات التي تزور القرية الآن تدرك قيمتها أكثر من أي وقت مضى، فالحياة الثقافية والاحتفالات ما زالت مستمرة كما كانت في الماضي".

أنتوني دوهودا، وهو من الجيل السادس، ويدير مطعمًا في منزل بولندي قديم ورثته عائلته، يقول للأناضول إن "قصة القرية أصبحت مصدر فضول للناس".

ويضيف دوهودا: "عاش أجدادنا هنا محافظين على تقاليدهم، فصار المكان محط اهتمام الزوار، وكأنهم يكتشفون بولندا صغيرة داخل إسطنبول".

وعن تاريخ المطعم، يقول: "بدأت استضافة الزوار في غرف هذا المنزل، الذي تحول مع الزمن إلى مطعم وفندق صغير".

** عائلة واحدة

وفي العقد الأول من الألفية أصبحت القرية في ذروة شهرتها، تستقبل آلاف الزوار في عطلة نهاية الأسبوع، وفق دوهودا الذي يوضح أن "سكان القرية البولنديين يشعرون بسعادة كبيرة عندما يعرفون الزوار بهويتهم".

ويرى أن "هذه الطريقة تعتبر الأمثل للحفاظ على إرث الأجداد".

ويقدّم دوهودا في مطعمه وجبات بولندية قديمة وتقليدية ورثها عن جدته، إلى جانب أطباق تركية.

ويشير إلى أن "جميع أصحاب المتاجر في القرية من أصول بولندية، والزائر سيشتم رائحة بولندا في كل زاوية".

واستذكر بفخر الزيارة التي أجراها أتاتورك عام 1937 إلى منزل جدته "زوشيا"، والذي تحول اليوم إلى بيت تذكاري للقرية (متحف صغير).

وفيما يتعلق بالتعايش، يقول: "المسلمون والمسيحيون هنا يعيشون بسلام كامل، حيث نصلي الجمعة في المسجد، وتقام العظة مساء السبت في الكنيسة. نحن عائلة واحدة".

**سائح بولندي

أما السائح البولندي زجيسلاف جيداشيفسكي، الذي يزور تركيا برفقة عائلتين، فيقول للأناضول إنه جاء لرؤية القرية من جديد بعد 15 عاما، ليجدها أنها ما تزال تحتفظ بسحرها.

ويضيف السائح أن "تركيا بلد رائع، والبولنديون يزداد فضولهم تجاهها، حيث جئنا لزيارة القرية ولقاء سكانها الذين التقيناهم قبل 15 عامًا".

وختم حديثه بالقول: "بين الغابات الكثيفة والبيوت الخشبية والأعلام البولندية، تظل بولونيزكوي قصة استثنائية لقرية استطاعت الحفاظ على روحها البولندية، في واحدة من أكبر مدن العالم، فصارت وجهة للباحثين عن الطبيعة، والتاريخ، وهدوء لا مثيل له".

#إسطنبول
#القرية البولندية
#تركيا