من يحكم العالم؟

08:069/02/2026, الإثنين
تحديث: 10/02/2026, الثلاثاء
سلجوك توركيلماز

مر ما يقارب أربعين عامًا على صدور كتاب اليهودية والماسونية الذي نُشر باسم مستعار «هارون يحيى». وقد أحدث الكتاب عند صدوره صدى واسعًا، حتى بات متداولًا في مختلف الأوساط آنذاك. وكنتُ قد تصفحت محتواه سريعًا أكثر من مرة. 3وبعد سنوات طويلة، أصبحت أستطيع تفسير سبب عدم رغبتي في قراءة كتاب يحمل توقيع هارون يحيى. فالكتب التي قرأتها حتى صدور «اليهودية والماسونية»، والمجلات التي تابعتها، والموضوعات التي ناقشناها، كانت تسير ضمن مسار فكري محدد، بينما لم يكن هذا الكتاب من ضمن الكتب التي رغبت في قراءتها، نظرًا

مر ما يقارب أربعين عامًا على صدور كتاب اليهودية والماسونية الذي نُشر باسم مستعار «هارون يحيى». وقد أحدث الكتاب عند صدوره صدى واسعًا، حتى بات متداولًا في مختلف الأوساط آنذاك. وكنتُ قد تصفحت محتواه سريعًا أكثر من مرة.

3وبعد سنوات طويلة، أصبحت أستطيع تفسير سبب عدم رغبتي في قراءة كتاب يحمل توقيع هارون يحيى. فالكتب التي قرأتها حتى صدور «اليهودية والماسونية»، والمجلات التي تابعتها، والموضوعات التي ناقشناها، كانت تسير ضمن مسار فكري محدد، بينما لم يكن هذا الكتاب من ضمن الكتب التي رغبت في قراءتها، نظرًا لوجود اختلاف جوهري في المنهج والرؤية.

لقد كُتب كتاب هارون يحيى وفق نمط فكري ظل حاضرًا في تركيا لفترة طويلة، وهو نمط واسع وشمولي في تفسير الأحداث. فالإشارة إلى اليهود، والماسونيين، والتنظيمات السرية، وعددٍ محدود من العائلات التي يُقال إنها تتحكم بالعالم، ليست سوى تعبير عن منهج معين في قراءة الوقائع.

وللأسف، فقد استعاد هذا المنهج جزءًا من حضوره في الفترة الأخيرة مع تسريب بعض الوثائق. وبحسب ما تمكنت من رصده، فإن البدايات الأولى لهذا النوع من الطروحات تعود إلى أوائل ثلاثينيات القرن الماضي. ومن المؤسف أن هذه المنشورات كانت تستهدف في الغالب الأوساط المحافظة.

وفي المقابل، لم يكن هذا النوع من الكتب حاضرًا ضمن الإصدارات الإسلامية التي شهدت نهضة ملحوظة خلال ثمانينيات القرن الماضي. وعندما أدركت ذلك، فهمت أن موقفي من كتاب هارون يحيى لم يكن موقفًا شخصيًا، بل نابعًا من اختلاف جوهري بين منهجين فكريين. وأرى أن من الأجدر للباحثين في عصرنا التعمق في دراسة هذه الفوارق، إذ إن المعاني العميقة كثيرًا ما تتجلى عبر الاختلاف.


ولم يكن ابتعادنا عن مفاهيم مثل اليهود، والماسونيين، والتنظيمات السرية، والعائلات التي يُقال إنها تدير العالم، أمرًا بلا مبرر. فهذه المفاهيم لم تنشأ نتيجة منهج فكري منظم، بل كانت تُفضي إلى تشويش الذهن، لافتقارها إلى مرجعية واقعية واضحة.

كما أن هذا النمط من التفكير لا يساعد على تحليل الأحداث بصورة موضوعية، لأنه لا يسلط الضوء على الواقع بقدر ما يكرس الغموض والالتباس. ومن اللافت أن كثيرين لم ينتبهوا إلى أن هذا المنهج يمنح أعداءً متخيّلين قوة شبه مطلقة، تكاد تُضفى عليها صفات خارقة.

وهكذا تُفسر الأحداث بوصفها مجرد مصادفات، وهو ما أثبتت التجربة أنه لا يساهم في توسيع أفق الفهم. ولعل أبرز مثال على ذلك هو مسألة وجود إسرائيل. وإنني أؤمن بضرورة مراجعة الأدبيات المتعلقة بإسرائيل مراجعة نقدية منهجية، فثمة حاجة ماسة إلى دراسة منظمة للماضي.

فعلى سبيل المثال، كان المفكر سزائي قاراقوتش، منذ النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، يعرف إسرائيل بأنها امتداد استعماري لدول أوروبا الغربية، في وقت كان فيه كثيرون بعيدين عن إدراك الدور الذي لعبته بريطانيا والولايات المتحدة في هذه القضية.

ولم يكن هذا مجرد اختلاف عابر، بل إن اتساع الإعجاب ببريطانيا والولايات المتحدة، وبالحضارة الغربية عمومًا، وتغلغله في الوعي الجمعي، ما يزال لغزًا يحتاج إلى تفسير. أما الفكر الإسلامي، فقد اتخذ موقفًا واضحًا ضمن هذا الانقسام، ورسم لنفسه مسارًا مختلفًا.


ومن المفترض أن تترك أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 انعكاسات عميقة في عالمنا الفكري. فلم يكن من المجدي حصر النقاش حول إسرائيل ضمن إطار اللاهوت اليهودي. وبالطبع لا يصح تجاهل التاريخ واللاهوت اليهودي تمامًا، لكن اختزال الصهيونية في اليهودية، أو في الماسونية، أو في التنظيمات السرية، أو في عدد محدود من العائلات التي يُقال إنها تتحكم بالعالم، لا يعكس حقيقة المشهد.

وقد اتضح ذلك بجلاء بعد أحداث السابع من أكتوبر، بما لا يترك مجالًا كبيرًا للجدل. فقد نقل الفلسطينيون إلى العالم رواية مختلفة تمامًا، ورأى العالم بأسره كيف شاركت دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا والمجر في دعم إسرائيل، لتكون شريكة في جريمة الإبادة الجماعية.

كما شاركت الهند بإرسال عناصر للانضمام إلى صفوف إسرائيل ضمن الهجمات الاستعمارية التوسعية التي استهدفت الفلسطينيين. ومن الغريب الاعتقاد بأن هذه الدول تتحرك بتوجيه من عدد محدود من العائلات فقط، ومع ذلك تبنى كثيرون هذا التصور. والأسوأ أن عددًا من الشخصيات المؤثرة في مواقع المسؤولية داخل هذه الدول ظل يصرح بأنهم يخوضون حربًا دينية، في محاولة لصرف الأنظار عن الحقائق الأساسية.


وبعد تسريب ملفات إبستين، يمكن القول إن المقاربة التي تربط الأحداث باليهود والماسونيين والتنظيمات السرية والعائلات التي تتحكم بالعالم استعادت شيئًا من حضورها، إذ بدا للبعض أن هناك شواهد عديدة تدعمها.

غير أن هذا المنهج يعيدنا إلى الأخطاء ذاتها. فهو لا يعكس تفكيرًا منهجيًا رصينًا، بل يضعف القدرة على التحليل ويشتت الانتباه. وعندما نحاول تفسير هذه الظواهر من خلال دور بريطانيا والولايات المتحدة فقط، يمكن القول إن البُنى التي نشأت إنما اكتسبت قوتها ضمن المساحات التي سمحت بها الدول نفسها، وهو ما أدى إلى نشوء شبكات معقدة من العلاقات المشبوهة.

#اليهود
#أبستن
#كتاب هارون يحيى
#الهود والماسونية
#التنظيمات السرية