
في أثناء زيارتنا إلى سوريا في شهر أكتوبر، كان من ضمن برنامجنا ـ بعد الانتهاء من جولة في مركز المدينة ـ التوجه شمالًا نحو حلب. غير أننا لم نكن واثقين من سلامة المسار، بسبب اندلاع اشتباكات قبل فترة وجيزة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود. وبالفعل، عندما استشرنا أصدقاءنا من أهل حلب، طلبوا منا الابتعاد عن تلك المنطقة. بل إن أحد الشوارع الرئيسية الممتدة باتجاه المطار كان واقعًا تحت سيطرة جماعات إرهابية. وهكذا اضطررنا إلى تغيير برنامجنا، وعدلنا عن الذهاب إلى الشمال.
كان المشهد في المنطقة بالغ الوضوح: حيّان من أحياء أكبر مدن سوريا كانا واقعين تحت احتلال تنظيم إرهابي ماركسي-لينيني اتخذ من التجمع السكاني الكردي حاضنة له. ولم يقتصر هذا الاحتلال على السيطرة الأمنية فحسب، بل تعداه إلى التسلط على شبكات توزيع الكهرباء والمياه، ما جعله احتلالًا يؤثر مباشرة في الحياة اليومية للسكان العاديين في حلب.
فمن التمرد على السلطة المركزية إلى خطف الأشخاص، ومن فرض الإتاوات إلى مختلف أشكال التهريب، شكل هذا الكيان أحد أكبر العوائق أمام المرحلة الجديدة المستقرة التي يُراد إرساؤها في سوريا.
وبعد أن صبرت إدارة أحمد الشرع طويلًا، وحاولت إيجاد حل عبر المفاوضات، اضطرت في نهاية المطاف، الأسبوع الماضي، إلى تنفيذ عملية عسكرية في حلب. ونتيجة لمسار جرى بتنسيق كامل مع المجتمع الدولي، وبعلمٍ قريب من تركيا، وبأدنى قدر ممكن من الخسائر الإنسانية، تم تطهير حلب من الإرهابيين، وأُعيد بسط سيطرة الدولة.
ومع ذلك، اندلعت في بعض الأوساط، ولا سيما في تركيا، موجة صخب وتهويل تحت شعار «تجري إبادة للأكراد!». إن ردود فعل من يتعاملون مع الأحداث بدوافع عنصرية بحتة، عبر اقتطاع الوقائع من سياقها، ونشر شتى أنواع الأكاذيب والتضليل الإعلامي، أمر مفهوم. فنحن لم نستغرب مواقفهم، إذ اعتادوا في كل حادثة إثارة الضجيج ذاته، وهم لا يبحثون عن الحق بل عن الامتياز.
غير أن ما أثار دهشتي الشديدة هو اندفاع بعض الأسماء التي كنت أظن أنها تتمتع بحساسية إسلامية، للدفاع المستميت عن تنظيم ماركسي-لينيني، إلى حد الاحتماء به صدورهم. بل إنني قمت بمراجعة أرشيف مواقفهم، فلم أجد لهم انتقادًا واحدًا لاحتلال هذا التنظيم لحلب. صمتوا عن الاحتلال، ثم فسّروا إنهاء الاحتلال على أنه «مجزرة بحق الأكراد»، وكسوه بطبقة من «الخطاب الإسلامي». أما الخلفية الأيديولوجية الماركسية-اللينينية للتنظيم، فلم يصدر عنهم بشأنها أي تعليق يُذكر، بطبيعة الحال.
قد تكون لديكم انتقادات أو اعتراضات على الإدارة الجديدة في سوريا، وهذا أمر طبيعي تمامًا. لكن أن تنزلقوا، في سبيل التعبير عن هذه الانتقادات، إلى مواقف متطرفة، وتتقمصوا دور السماسرة لخط أيديولوجي لا يمكن تبريره إسلاميًا بأي وجه من الوجوه، فذلك ليس أمرًا طبيعيًا، ولا هو «موقف إسلامي».
ويبدو أن الفكرية التي تُفرض على الأكراد من بعض الدوائر، والقائمة على شعار «نحن مُضطهدون، أنقذينا يا غرب!»، بدأت تؤثر حتى في بعض الشخصيات الكردية المسلمة. فلا يوجد تفسير آخر لهذا الارتباط الوثيق بتنظيم إرهابي علماني لا ديني، يسند ظهره بالكامل إلى إسرائيل، تحت ذريعة الدفاع عن حقوق الأكراد.
إن مراعاة حقوق الأمة التي تنتمي إليها أمر فطري ومشروع إسلاميًا. لكن الانحراف عن الحق والعدل أثناء ذلك، وتشويه الوقائع، والتداخل مع تشكيلات لا تراعي أي حساسية إسلامية، وتجاهل أخطاء طرفك وأوهامه، والبحث عن كل العيوب خارج الذات، واعتبار طرفك دائمًا بريئًا ومعقولًا على الدوام، فكل ذلك ليس فطريًا ولا إسلاميًا.
وبالنسبة إلى الأكراد المسلمين، أو الأكراد ذوي الحساسية الإسلامية، فإن المسار الجاري في الشرق الأوسط يتحول في الوقت ذاته إلى اختبار أخلاقي واختبار للاتساق.
أيهما سيتقدم في سلم الأولويات: الإسلام أم الهوية العرقية؟ هذا هو السؤال الجوهري. وكل اعتراض يقوم على تبرير الخطأ بأخطاء الآخرين هو اعتراض باطل؛ فالمثال السيئ لا يُحتجّ به، وخطآن لا يصنعان صوابًا. أما أنا، فلم أقدّم يومًا حقوق الأمة التي أنتمي إليها على المبادئ الكلية والقيم الأخلاقية التي قررها الإسلام. فالإسلام هو الميزان الذي أحدد به موقفي من الإنسان والعالم والسياسة، ولست في هذا الخيار وحيدًا.
إن تعبير «أيام الفرقان» مألوف لدى المثقفين الأكراد المسلمين، فهو من المفاهيم المركزية في المصطلح الإسلامي. ومن هذا المنطلق أخاطبهم بلغة واضحة: نحن نعيش أيام الفرقان، فاختاروا صفكم عن وعي وبصيرة.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة