في غزة المدمرة.. طبول السحور تعزف بهجة رمضانية بين خيام النزوح

10:5219/02/2026, الخميس
الأناضول
في غزة المدمرة.. طبول السحور تعزف بهجة رمضانية بين خيام النزوح
في غزة المدمرة.. طبول السحور تعزف بهجة رمضانية بين خيام النزوح

- في مخيم يؤوي نازحين فلسطينيين غربي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، جال مسحراتيون بملابس تقليدية لإيقاظ قاطنيه قبيل السحور - مع قدوم رمضان، تحولت الأزقة بين الخيام إلى ممرات مضاءة بسلاسل إنارة ملونة ونجوم علقت على الأقمشة البلاستيكية - اعتاد المسحراتيون على مر السنوات التجول بالأحياء ومحيط المساجد لإيقاظ الناس للسحور، لكنهم اليوم يؤدون الدور ذاته بين خيام أقيمت مكان أحياء دمرتها حرب الإبادة



بين خيام النزوح المصطفة بمنطقة المواصي غربي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يتردد قبيل السحور في شهر رمضان صوت الطبول معلنا استمرار تقليد "المسحراتي".

تقليد ظل صامدا بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية، ورغم آثارها الثقيلة التي لم تندمل منذ سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ليعلن أن رمضان لا يزال يجد طريقه إلى القلوب.

وتحولت هذه البقعة التي لم تكن منطقة سكنية مكتظة من قبل إلى تجمع واسع لخيام من نايلون وقماش بالٍ، بعدما لجأ إليها عشرات آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم في مناطق أخرى من القطاع، لتغدو الرمال الممتدة مأوى مؤقتا يفتقر إلى أبسط مقومات الإقامة الكريمة.

وتقع منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس على امتداد الساحل الجنوبي لقطاع غزة، وهي منطقة ساحلية ذات أراضٍ رملية مفتوحة.

تلك المنطقة تحولت مع تصاعد القصف خلال الإبادة الإسرائيلية وأوامر النزوح القسرية إلى ملاذ لعشرات آلاف النازحين، حيث امتلأت بالخيام وسط نقص حاد بالخدمات الأساسية والبنية التحتية.

ورغم قسوة الظروف، لم تغب المظاهر الرمضانية عن المكان، ففي أحد تلك المخيمات، جال مسحراتيون بملابس تقليدية وعمامات بيضاء، يقرعون طبولا بإيقاع ثابت.

كما رددوا نداءات رمضان الشعبية التي اعتادها أهل غزة، مثل: "رمضان كريم.. يلا (هيا) اصحوا (استيقظوا) يا نايمين"، و"قوموا على سحوركم.. إجا (جاء) رمضان يزوركم".

ومع قدوم شهر رمضان، عكف الفلسطينيون على تخفيف وطأة ما يثقل كاهلهم من أوجاع، ساعين إلى إضفاء أجواء من الفرح تعينهم على تجاوز آثار الإبادة وما خلفته من فقد ودمار، عبر مبادرات بسيطة وزينة متواضعة تعيد إلى المخيمات شيئًا من روح الشهر وطمأنينته.


طقوس الحياة بين الخيام

وفي ظل عودة المسحراتي إلى أزقة المخيم، تجمع أطفال حوله يرتدون معاطف شتوية ويرددون الأناشيد، فيما بدا على وجوههم فرح عابر يخفف من قسوة العيش في المخيم.

وحمل أحد المسحراتيين طبلا مزخرفا يتدلى بحزام على كتفه، فيما سار آخر إلى جواره مرددا الدعوات، في مشهد يستحضر صورة الأحياء القديمة في غزة قبل أن تستبدل البيوت بالخيام.

والمسحراتي شخصية شعبية ارتبطت بشهر رمضان، إذ يجوب الأحياء ليلا قبيل الفجر لإيقاظ الناس لتناول السحور، حاملا طبلا أو عصا يقرعها بإيقاع منتظم، ومرددا عبارات دينية وأهازيج اعتادها السكان.

ويعد هذا التقليد جزءا من التراث الاجتماعي في مدن عربية وإسلامية عدة، حيث يجسد أجواء التكافل وروح الجماعة التي تميز الشهر الفضيل، وهو ما يسعى الغزيون إلى الحفاظ عليه رغم تبدل المكان وتغير ملامحه.


رمضان وسط الإبادة والدمار

ويستقبل الفلسطينيون بقطاع غزة شهر رمضان هذا العام وسط دمار واسع خلفته حرب إبادة إسرائيلية جماعية استمرت عامين، مع بنية تحتية مدمرة وأوضاع معيشية لم تتعاف رغم وقف إطلاق النار.

وبدعم أمريكي بدأت إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 إبادة جماعية بغزة، استمرت عامين وخلّفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.


استمرار المهمة رغم الخراب

على مدى سنوات، اعتاد المسحراتيون التجول في الأحياء السكنية لإيقاظ الناس وقت السحور، إلا أنهم اليوم يؤدون الدور ذاته بين خيام أقيمت مكان أحياء دمرت خلال الحرب.

وخلال سنتين من حرب الإبادة الإسرائيلية، عاش أكثر من مليوني فلسطيني موجات نزوح متكررة من مناطق سكنهم إلى أخرى داخل القطاع، مع أوامر نزوح قسري فرضتها إسرائيل بالتزامن مع قصف مكثف طال الأحياء السكنية والبنى التحتية، ما دفع مئات الآلاف إلى الاحتماء بالمدارس والخيام ومراكز الإيواء وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.

أحد المسحراتيين (لم يذكر اسمه) قال للأناضول، إنهم يحرصون على إحياء هذا التقليد رغم الصعوبات، متقدما بالتهنئة للفلسطينيين بغزة بحلول رمضان، ومعربا عن أمله أن يعيده الله على القطاع بالخير.

وأضاف أنهم يواصلون جولات التسحير منذ الليلة الأولى وحتى نهاية الشهر الفضيل، بهدف إدخال الفرح إلى قلوب النازحين، لا سيما الأطفال والأمهات، والتخفيف من وطأة الواقع.

وقبل أن يقرع طبله مجددا، التفت إلى الأطفال من حوله وهم يرددون أغاني لغزة وصمودها.

ومن بين الأناشيد التي رددها المسحراتي ومرافقوه: "يا غزة نوارة.. طبعك دوم (دائما) جبارة"، و"كل عام وأنتم بخير يا أهل غزة الأبية"، و"رمضان كريم.. يلا (هيا) اصحوا يا نايمين"، في عبارات جمعت بين التهنئة ورسائل الصمود.

ورغم وقف إطلاق النار، لم تتحسن الأوضاع المعيشية بشكل ملموس، جراء تنصل إسرائيل من التزاماتها، بما فيها فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والطبية ومواد الإيواء.

ويعيش نحو 1.9 مليون نازح من أصل 2.4 مليون فلسطيني في القطاع ظروفا قاسية داخل خيام تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، بعد أن دمرت إسرائيل منازلهم خلال الحرب.

وتستمر هذه الأوضاع رغم إعلان واشنطن منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي دخول المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تشمل انسحابا إضافيا للجيش الإسرائيلي من القطاع وبدء جهود الإعمار.

#"المسحراتي"
#سحور رمضاني
#غزة
#فلسطين
#قطاع غزة
#لفلسطينيين