أمن سوريا هو أمن تركيا

07:0730/11/2025, Pazar
تحديث: 30/11/2025, Pazar
إحسان أكتاش

أدّت مواجهة تركيا والولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب الأهلية السورية إلى ظهور أحد أكبر الانشقاقات الاستراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فقد غيّر هذا التحوّل الجذري مسار الجيوسياسة الإقليمية، وانتهى – في المحصلة – بنتائج تصبّ في مصلحة تركيا. في السنوات الأولى من الحرب، تشكّل ائتلاف من 60 دولة تحت مسمى “أصدقاء سورية”، وكانت تركيا أحد أبرز الفاعلين فيه. ورغم أن المشهد آنذاك كان يوحي بأن تركيا والولايات المتحدة تتحركان نحو الأهداف نفسها، إلا أن الزمن كشف بوضوح مدى اختلاف تلك الأهداف. وبعد

أدّت مواجهة تركيا والولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب الأهلية السورية إلى ظهور أحد أكبر الانشقاقات الاستراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فقد غيّر هذا التحوّل الجذري مسار الجيوسياسة الإقليمية، وانتهى – في المحصلة – بنتائج تصبّ في مصلحة تركيا.

في السنوات الأولى من الحرب، تشكّل ائتلاف من 60 دولة تحت مسمى “أصدقاء سورية”، وكانت تركيا أحد أبرز الفاعلين فيه. ورغم أن المشهد آنذاك كان يوحي بأن تركيا والولايات المتحدة تتحركان نحو الأهداف نفسها، إلا أن الزمن كشف بوضوح مدى اختلاف تلك الأهداف.


وبعد فترة، بدا أنّ السياسة الأميركية تجاه سورية تتشكل وكأنها تحت تأثير العقل الإيراني. فبعد مقتل السفير الأميركي في ليبيا، تخلّت واشنطن عن هدف تغيير النظام، واتجهت نحو استراتيجية تسمح للرئيس السوري السابق بشار الأسد بمواصلة طريقه “بشكل مُنهك، لكنه باقٍ”.


وقد أدّى تركيز الولايات المتحدة على تنظيم داعش وتنظيم بي كي كي الإرهابي إلى خلق شرخ لا يمكن إصلاحه في علاقاتها مع تركيا. وكان الثمن باهظاً:


1- أقنعت الولايات المتحدة وإيران قيادة تنظيم بي كي كي الإرهابي بإنهاء مسار الحلّ في تركيا.


2- سلّم نظام الأسد وإيران معظم الحدود السورية–التركية لتنظيم بي كي كي الإرهابي


3- ظهر تنظيم داعش بين ليلة وضحاها، واحتلّ ثلث البلاد.


4- ثم سلّمت الولايات المتحدة المناطق التي انتزعها داعش إلى تنظيم بي كي كي الإرهابي


5- شنّت تنظيمات بي كي كي وداعش وتنظيم غولن الإرهابي هجمات متزامنة ضد تركيا.


6- عمل تنظيم غولن الإرهابي على دفع موجة الهجمات إلى الأمام عبر محاولة الانقلاب.


وفي ظل هذه التطورات على الجبهة السورية، وجدت تركيا أن منظومة العلاقات التي بنتها طيلة عقود عبر الولايات المتحدة قد انهارت بالكامل. وكان هذا عبئاً ثقيلاً لا يمكن لأي دولة تحمله بسهولة، إلا أن تركيا – باعتبارها دولة تمتلك خبرة إمبراطورية عريقة – نجحت في تجاوز هذا الانهيار.


وفي ظل هذا التهديد المركّب، قرر الرئيس رجب طيب أردوغان الدفع بالقوة الصلبة إلى الميدان. وقد نُفذت عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام بنجاح، وأظهرت للعالم كله ما يستطيع الجيش التركي إنجازه في أقسى الظروف.


كما شكّل إرسال البحرية التركية إلى شرق المتوسط، والنجاح في الساحة الليبية، والقضاء على مثلث بي كي كي–داعش–غولن الإرهابي داخل تركيا، والانتصار الذي حققته أذربيجان في قره باغ، أرضية جيوسياسية قوية أتاحت لتركيا إعادة بناء علاقاتها الإقليمية.


وللمرة الأولى، لم تُبنَ هذه العلاقات الجديدة عبر الولايات المتحدة أو أي قوة خارجية أخرى، بل قامت على قدرات تركيا المتنامية بشكل مباشر.


ومع الوقت، بدأت دول العالم تتقاطر إلى أنقرة. وكنتُ قد قلتُ في إحدى مقالاتي في صحيفة “يني شفق”: “الرئيس أردوغان عمل خلال الشهرين الماضيين كأنه الأمين العام للأمم المتحدة”. إذ إن كثافة اللقاءات الدبلوماسية آنذاك حملت دلالات تاريخية مهمة.


وأثناء إلقاء كلمة افتتاحية في ورشة عمل عُقدت في أربيل، وصفتُ دور تركيا في المنطقة قائلاً:


“تركيا دولة وريثة لإمبراطورية، وتمتلك خبرة تمتد لقرون في إدارة أديان وشعوب العالم. وهي دولة تقوم اقتصادياً على التجارة، لذلك فإن استقرار المنطقة يصبّ مباشرة في مصلحة تركيا.”


أما إيران، ثاني أكبر دول المنطقة، فاتبعت نهجاً مختلفاً تماماً. فبفضل اقتصادها القائم على عائدات النفط، وحافزها الأيديولوجي المرتفع، تبنّت طوال الـ25 عاماً الماضية “نظرية الفوضى”، معتبرةً أن عدم استقرار دول المنطقة ضرورة لضمان أمنها. ومن هنا جاء موقفها المناهض لتعافي العراق وسورية ولبنان.


وفي الجلسات اللاحقة للمؤتمر، دارت نقاشات حول هذه النقطة. وقد أساء أحد الأكاديميين الأتراك فهم حديثي عن التجربة الإمبراطورية، فقال: “تحدث السيد إحسان عن الإمبراطورية، أما أنا فأودّ التذكير بمبدأ ‘سلام في الداخل، سلام في العالم’.” ولا يزال سبب هذه المداخلة غير واضح بالنسبة لي.


وبينما سيطرت إيران وروسيا على الساحة السورية، تعاملتا مع الشعب السوري بطريقة المحتل، ما عجّل باندلاع الثورة الشعبية في البلاد. ولذلك لم يكن من الصعب على السوريين إخراج الروس والإيرانيين من بلادهم.


ومنذ “الثورة الشعبية السورية”، بدأت ملامح دولة مركزية جديدة تتشكّل تدريجياً في المنطقة. أما إسرائيل، فتصرّ على مواصلة ضغوطها الاحتلالية لمنع هذا المسار من الاكتمال.


في المقابل، يواصل “تنظيم واي بي جي (قسد)” اختلاق الذرائع لعدم الالتزام بـ اتفاق 10 آذار. وقد أعلنت تركيا بوضوح أنها لن تسمح مطلقاً بقيام كيان إرهابي ذي طبيعة دولانية شمال سورية. كما كانت تصريحات الرئيس أردوغان واضحة كعادتها: “لا نريد إقامة إرهابستان في المنطقة.”


ومع ذلك، لا تزال إرادة الأطراف في حلّ المشكلة عبر الدبلوماسية قائمة. وينبغي النظر إلى لقاء أوجلان في هذا السياق، لأن الحقيقة الأساسية بالنسبة لتركيا لم تتغير وهي أمن سورية هو أمن تركيا.

#أمن تركيا
#سوريا
#الثورة السورية
#إسقاط الأسد
#بي كي كي الإرهابي
#قسد
#غولن ال‘رهابي
#تركيا