
أود في البداية الإشارة إلى مسألة عامة، وهي بأنني لا أتوقع أن يبلغ التاريخ حالة من الاستقرار الدائم حتى قيام الساعة. فالمؤمنون على دراية بالسيناريوهات الإلهية المتعلقة بالقيامة وكيفية وقوعها. وهذه السيناريوهات، وإن اختلفت في بعض التفاصيل، فقد وردت في النصوص المقدسة بصور متقاربة.
إن التاريخ لن ينتهي عند قيام الساعة انتهاءً فجائيًا قاطعًا بل إن له، كما تذكر النصوص المقدسة، مرحلة تمهيدية تُعرف بـ"آخر الزمان". فالتاريخ، بالمعنى الذي نعرفه، ينتهي في الواقع قبل القيامة عند تلك المرحلة. أما مسيرتنا على ظهر الأرض فستستمر مدة أخرى، لكنها لن تكون حينئذٍ التاريخ البشري الذي نعرفه اليوم، ذلك التاريخ المتقلب المليء بالمفاجآت، والقادر في كل مرة على تقويض أي غاية نهائية أو مقصد تاريخي مفترض؛ بل سيغدو تاريخًا من نوع آخر.
هناك من يعلن، انطلاقًا من مقاربات لاهوتية، أنه وجد مقابلات لعلامات وأمارات آخر الزمان، وأن القيامة باتت وشيكة. وقد وُجد مثل هؤلاء في كل عصر. والحق أنني، لأن جميع المواعظ التي قيلت في هذا الشأن عبر القرون ثبت بطلانها، أستمع إلى هذه الادعاءات بإنصاتٍ فاتر إلى حد ما. ولعل هذا ضروري بالنسبة لي كي أستطيع تكريس جهدي الفكري لدراسة التاريخ.
إن أجمل عمل أدبي جسد فكرة التاريخ هو «ألف ليلة وليلة». فكما هو معلوم، كانت شهرزاد مضطرة إلى أن تروي للسلطان المفتون بالقصص حكاية جديدة كل ليلة لكي تنقذ حياتها. إذ إن إنهاء الحكاية بخاتمة حاسمة كان سيعني نهايتها هي أيضًا. وقد سلكت شهرزاد طريقًا مزدوجًا؛ الأول أن تُفرع من كل حكاية حكايات أخرى فتُطيل السرد، لكنها كانت تدرك أن ذلك قد يبعث على ملل السلطان في مرحلة ما، ولذلك كان لزامًا عليها أن تُنهي الحكاية في نهاية المطاف، لكنها كانت تفعل ذلك بمهارة فائقة؛ فعند اللحظة التي يُفترض أن تنتهي فيها الحكاية، كانت تمهد لحكاية جديدة تثير فضول السلطان.
وهكذا فإن التاريخ، مثلما كانت تفعل شهرزاد، يبدأ حكاية جديدة كلما ظننا أن شيئًا قد انتهى. فكل حادثة نعتقد أنها خاتمة، تنثني فجأة لتطلق حادثة أخرى. ومن هنا تنبع خفة النظرة التي تتعامل مع التاريخ باعتباره نهاية حاسمة؛ إذ يغفل أصحاب هذه النظرة حقيقة أن التاريخ لا يملك غاية نهائية محددة ولا خاتمة أخيرة.
وفي سوريا، كما في أماكن أخرى، تجري حكاية كابوسية تشبه «ألف ليلة وليلة». فهل ستكون هناك نهاية أخيرة في سوريا تُحقق استقرارًا دائمًا وأمنًا راسخًا على حدودنا الجنوبية؟ يبدو أن هذا هو التصور الذي يهيمن على عقول بعض المحللين الاستراتيجيين ضيقي الأفق. فقد أعطت سلسلة الأحداث التي بدأت في حلب وامتدت عبر دير الزور والرقة انطباعًا لدى هذه الذهنية السائدة بأن النهاية السعيدة التي كانوا ينتظرونها قد تحققت أخيرًا.
نعم، كانت الولايات المتحدة قد تخلت عن تنظيم بي كا كا في سوريا، ولم تعترض إسرائيل على ذلك، كما انحصر تنظيم واي بي جي الإرهابي في الحسكة وعين العرب والقامشلي. وبدا أن الضربة الأخيرة باتت وشيكة. وكان يُعتقد أن الانهيار النفسي الواضح الذي يعيشه تنظيم بي كا كا سيؤدي إلى نهايته وزواله من سوريا، وأن ذلك سيكون انتصارًا حاسمًا ومطلقًا لتركيا.
والحق أن هذه الأجواء دفعت حتى شخصًا متشككًا مثلي إلى الاعتقاد بأن الأحداث، بما في ذلك وقف إطلاق النار الأخير، قد تسير في هذا الاتجاه. فقد بدأت أظن أن تنظيم بي كا كا سيستسلم بعد وقف إطلاق النار، وأن أقصى ما يمكن أن يفعله هو الانسحاب إلى العراق. لكن ما أربكني هو تمديد وقف إطلاق النار من يومين إلى خمسة عشر يومًا. بل إنني فكرت في كتابة مقال حول هذا الأمر، غير أن تصاعد الملف الإيراني حال دون ذلك، فانصرفت إلى متابعة ما يجري هناك. غير أن الاتفاق الأخير، للأسف، أكد شكوكي؛ إذ يتضمن عناصر مقلقة قد تُبدد التوقعات المتفائلة.
ومع ذلك، لا ينبغي التسرع في التشاؤم. فالأحداث التي نشهدها تمثل واحدة من أكبر النجاحات والمكاسب التي حققتها الدولة التركية ودبلوماسيتها في الآونة الأخيرة. فحتى وقت قريب، كنا نواجه واقعًا يتمثل في تنظيم إرهابي يستند إلى دعم الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد ترسخ في نحو ثلث الأراضي السورية واستولى على معظم مواردها.
وفي ظل هذه الأجواء، كان تنظيم بي كا كا يفرض مطالبه القصوى مرارًا. غير أن الدبلوماسية التركية، عبر جهود صبورة ومتعددة الأطراف، نجحت في تفكيك هذا الوضع. ففي فترة قصيرة لم تتجاوز شهرًا واحدًا، فقد تنظيم بي كا كا جميع «مكاسبه» وانحصر في جيبين محدودين. لكن ما حدث بعد ذلك كان لافتًا؛ إذ يشير الاتفاق الأخير إلى دخول ثنائي أربيل–إسرائيل على الخط، بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا، في محاولة لمنع تصفية التنظيم في «القلعة الأخيرة».
صحيح أن السيطرة المطلقة لم تُمنح للتنظيم في المناطق التي انحصر فيها، وأن دمشق دخلت إلى الحسكة وعين العرب والقامشلي عبر قنوات متعددة، وأن كثيرًا من المؤسسات باتت تحت سيطرة الإدارة المركزية. غير أن المشهد النهائي يوحي بأنه، رغم تقليص الصلاحيات، يجري تكريس شكل من أشكال الحكم الذاتي الجزئي، مع وجود مساعٍ واضحة لدفع سوريا نحو نموذج ذي طابع "فيدرالي مقنع"، وفق التعبير الذي استخدمه باراك في وقت سابق.
أما أهم مكسب بالنسبة لنا فهو تسليم السيطرة الكاملة على الحدود إلى دمشق. غير أن قبول دمشق بدمج البنية العسكرية لتنظيم بي كا كا على مستوى الألوية والفرق العسكرية يُعد أمرًا بالغ الخطورة. فإذا نُفّذ الاتفاق، فهذا يعني أن التنظيم الإرهابي سيحافظ على وجوده، ولو بشكل محدود، في مناطق قريبة من حدودنا الجنوبية.
ويكتنف الاتفاق كثير من الغموض، كما أن آليات تنفيذ بعض البنود لا تزال غير واضحة. فمصادر دمشق وتنظيم بي كا كا بدأت بالفعل في تقديم تفسيرات متباينة لمسألة دمج الألوية والفرق، ما يشير إلى أن الطرفين لم يتفقا بعد على ما إذا كان الدمج سيتم بشكل فردي أم بصورة جماعية.
وبطبيعة الحال، سنواصل متابعة التطورات. لكن من الواضح أن الأوضاع في سوريا لم تستقر بعد، ولا يُتوقع أن تستقر في المستقبل القريب.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة