
إمام الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، الشيخ عادل إدريس، في مقابلة مع الأناضول: - عند السجود أطلق المستوطن الإسرائيلي غولدشتاين النار على المصلين وقتل 29 وأصاب 200 آخرين - المصلون سقطوا تباعا داخل المسجد، وتحول المكان إلى حالة من الفوضى والدماء - عقب المجزرة استولت اسرائيل على 54 بالمئة من مساحة الحرم وركبت بوابات ومنعت رفع الأذان - المجزرة مستمرة حتى اليوم بصورة أخرى، وذلك من خلال التضييق ومحاولات تغيير واقع الحرم
بعد 32 عاما على مجزرة الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، ما تزال أصوات الرصاص وصور الضحايا حاضرة بذاكرة الإمام آنذاك الشيخ عادل إدريس، الذي يروي كيف تحولت لحظات الصلاة إلى فاجعة ما زالت تلقي بظلالها على المكان.
إدريس يستعيد تفاصيل فجر الخامس عشر من رمضان للعام 1414 الهجري، الموافق 25 فبراير/ شباط 1994، حين أقدم المستوطن الإسرائيلي باروخ غولدشتاين على فتح النار على المصلين الفلسطينيين وهم ساجدين.
يقول في مقابلة مع الأناضول: "في تلك الليلة، خرجت من منزلي في منطقة المشارف الفوقا، على بعد نحو 600 متر جنوب الحرم الإبراهيمي، برفقة شقيقي سليم ووليد، وزوج شقيقتي متجهين إلى صلاة الفجر".
ويضيف إدريس أنهم فوجئوا بقيود غير معتادة، حيث منعت النساء من الدخول إلى المصلى الإسحاقي "حيث منبر صلاح الدين، والمحراب، والقاعة الرئيسية، ومقام سيدنا إسحاق وزوجته رفقة عليهما السلام"، وجرى تحويلهن إلى مصلى الجاولية.
ويشير إلى أن المواطنين الفلسطينيين تلقوا تهديدات قبل يوم من وقوع المجزرة، حذرت من هجوم سيقع في اليوم التالي.
ويوضح أنه بعد دخوله المسجد أدى سنة الفجر، ثم شرع في صلاة الفرض، وعند السجود، دخل المستوطن غولدشتاين، وهو ضابط وطبيب في الجيش الإسرائيلي، وأطلق الرصاص على المصلين.
الهجوم أسفر عن مقتل 29 مصلياً، بينهم سليم شقيق الإمام، وإصابة نحو 200 آخرين، بينهم شقيقه الآخر وليد الذي أصيب برصاصة في ذراعه.
ويقول إدريس: "الرصاص طال الركع السجود، سقط المصلون تباعا داخل المسجد، وتحول المكان إلى حالة من الفوضى والدماء".
ويلفت إلى أن الجيش الإسرائيلي أكمل المجزرة خارج المسجد، وقتل 5 فلسطينيين أمام المستشفى الأهلي "واستشهد آخرون في الطرقات، ومنهم من استشهد أثناء دفن الشهداء".
ويوضح أن مقتل شقيقه وإصابة الآخر شكّلا لحظة مفصلية في حياته، إذ امتزجت إمامته للمصلين بفاجعة شخصية ما زالت حاضرة في ذاكرته حتى اليوم.
** إغلاق المسجد
وعلى إثر المجزرة، أغلقت إسرائيل الحرم الإبراهيمي لمدة 9 أشهر، وشكلت لجنة تحقيق عُرفت باسم "لجنة شمغار"، خرجت بقرارات وصفها إدريس بأنها "جائرة وغير عادلة".
وبين أن القرارات تضمنت الاستيلاء على 54 بالمئة من مساحة الحرم، وتركيب بوابات إلكترونية، ومنع رفع الأذان فيه ما بين 50 إلى 55 وقتاً شهرياً.
كما تضمنت إغلاق الحرم بالكامل أمام المسلمين خلال الأعياد اليهودية لنحو 12 يوما سنويا، مقابل فتحه كاملاً للمسلمين 10 أيام في الأعياد الإسلامية، إضافة إلى إغلاق نحو ألفي محل تجاري في محيط الحرم، وفق إدريس.
** مجزرة مستمرة
ويعتبر إدريس أن المجزرة مستمرة حتى اليوم بصور أخرى، من خلال التضييق ومحاولات تغيير واقع الحرم، مؤكدا أن الإجراءات الإسرائيلية المتخذة منذ العام 1994 جعلت وضع الحرم "ينتقل من سيء إلى أسوأ".
ويشير إلى أن أوضاع الحرم تدهورت منذ وقوع المجزرة وحتى اليوم، مضيفاً أن "سلطات الاحتلال تفرض باستمرار إجراءات تمس بطبيعة المكان وهويته".
ويتابع: "نسأل الله أن يحفظ هذا المسجد من كل اعتداء".
وفي يوليو/ تموز 2017، أدرجت لجنة التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل موقعاً تراثياً عالمياً.
ويقع الحرم في الجزء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من مدينة الخليل، بموجب تقسيمات العام 1997.
ورغم الأذى الكبير الذي تعرض له المسلمون جراء المجزرة، صدرت توصيات لجنة التحقيق الإسرائيلية بتقسيم الحرم بين المسلمين والمستوطنين.
وقررت اللجنة اقتطاع نحو نصف القسم الخلفي من المسجد وتحويله إلى كنيس لليهود، وفرض قيود مشددة على دخول المصلين، فيما نشر الجيش الإسرائيلي عشرات نقاط مراقبة وحواجز داخل أزقة البلدة القديمة وفي محيط الحرم.
كما أُغلقت شوارع بأكملها، منها "شارع الشهداء"، ومئات المحال التجارية بأوامر عسكرية، ولا تزال مغلقة حتى اليوم.
ومن آثار المجزرة تشكيل "بعثة التواجد الدولي المؤقت" بقرار دولي بالعام 1994 لمراقبة الأوضاع في الخليل، التي بدأت عملها عام 1997، قبل أن تقرر الحكومة الإسرائيلية عام 2019 عدم تجديد مهمتها.
** انتهاكات متواصلة
لا يزال المصلون القادمون إلى الحرم من خارج محيطه يضطرون لعبور عدة حواجز عسكرية ونقاط تفتيش قبل الوصول إلى بواباته، حيث تُفرض عليهم إجراءات تفتيش عبر بوابات إلكترونية، كما يُمنع رفع الأذان في أوقات متكررة.
ويخضع الوضع بالمدينة لما يُعرف بـ"بروتوكول الخليل" الموقع بالعام 1997، والذي قسّم المدينة إلى منطقتين H1 وH2، وتضم الأخيرة البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، وتخضع لسيطرة إسرائيلية أمنية كاملة.
ووفق معطيات محلية، تنتشر في محيط المسجد والبلدة القديمة ثماني بؤر استيطانية، 3 منها قيد الإنشاء، فيما يقطن المنطقة مئات المستوطنين مقابل آلاف الفلسطينيين.
وفي مطلع العام 2026 شهد الحرم إجراءات جديدة، بينها محاولات لإعادة تسقيف صحنه، ومنع مديري الحرم الفلسطينيين من ممارسة صلاحياتهم، إلى جانب تصعيد اقتحامات المستوطنين ومنع رفع الأذان بشكل متكرر.
كما قررت الحكومة الإسرائيلية إسناد صلاحيات التخطيط والبناء في الحرم والمنطقة الاستيطانية داخل الخليل إلى "الإدارة المدنية"، في خطوة يرى مسؤولون فلسطينيون أنها تهدف إلى فرض واقع جديد على المكان.
ويقول إدريس إن الحرم الإبراهيمي ما زال يحمل آثار ذلك الفجر حتى اليوم، مؤكدا أن ذاكرة المجزرة لا تغيب عن المصلين.









