
الأستاذ والباحث في جامعة السوربون محمد هنيد: - الوضع في أوروبا يمنعها من المشاركة في مغامرة أمريكية أحادية لم تستشر أحدا قبل بدئها - الدول الأوروبية ترى مصلحتها في إيقاف الحروب وانتهاء ما تسببه من تداعيات اقتصادية خاصة أزمات الطاقة المستشار الأسبق لوزير الخارجية التونسي: - أوروبا تدرك أن أي حرب على إيران ستفتح الباب أمام فوضى إقليمية وستخلق موجات هجرة وانهيارات اقتصادية - غياب المشاركة الأوروبية ليس ترددًا ولا ضعفًا، بل حساب عقلاني للمصالح
يرى خبيران في الشؤون الدولية والسياسية أن الدول الأوروبية لن تقبل الانخراط في أي حرب برية ضد إيران، رغم الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو الإغراءات الاقتصادية والسياسية التي تقدمها.
ومع قرب انتهاء مهلة العشر أيام التي حددها ترامب لإيران من أجل فتح مضيق هرمز والتوصل إلى اتفاق يزداد الحديث عن تصعيد كبير في الحرب قد يشمل مواجهات برية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
الأستاذ والباحث في جامعة السوربون محمد هنيد يرى أن هناك رفض أوروبي قاطع للمشاركة في الحرب البرية ضد إيران، مشيرا إلى أن بعض الدول الأوروبية رفضت حتى استعمال أجوائها لمرور الطائرات أو عمليات الانزال في الحرب الأمريكية.
ويضيف هنيد، في تصريحات للأناضول، أن الوضع الاقتصادي في أوروبا واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية وأزمات الطاقة تمنع أوروبا من المشاركة في ما وصفها بـ"مغامرة أمريكية أحادية" بدأتها دون استشارة مع أحد.
ولفت إلى أن الدول الأوروبية ليس لها أي مصلحة في هذه الحرب بل على العكس ترى مصلحتها في إيقاف الحروب وانتهاء ما تسببه من تداعيات اقتصادية خاصة أزمات الطاقة، "حتى يتسنى لها الالتفات إلى مشاكل داخلية تعاني منها مثل الهيمنة الأمريكية وغزو السلع الصينية لأسواقها، وصعود اليمين المتطرف".
** توريط الآخرين بالحروب
وحول دعوة ترامب أوروبا للمشاركة في الحرب يقول هنيد: "هذه دائما سياسة واشنطن الخارجية، فهم لا يذهبون للحرب منفردين بل يورطون دائما ما يسمونه بالحليف الأوروبي والناتو تحديدا في حروبهم".
وكمثال على ذلك، أشار إلى ما حدث في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن وفي كل الأماكن التي تدخلت فيها واشنطن عسكريا، "خاصة في الحروب البرية لأنها تكون أكثر كلفة من الناحية البشرية".
وذكر هنيد أن الشراكة العسكرية مع واشنطن فرضت على أوروبا فرضا بعد الحرب العالمية الثانية وبدء تنفيذ مشروع مارشال، مشيرا إلى أن المشروع لم يكن حقا لإنقاذ أوروبا من الزحف الشيوعي بل كان "خطة للهيمنة الأمريكية على الموارد الأوروبية وعلى القرار الأوروبي".
ومشروع مارشال (أو برنامج الإنعاش الأوروبي) هو مبادرة أمريكية أطلقها وزير الخارجية جورج مارشال عام 1947 وأُقرت عام 1948، لتقديم مساعدات اقتصادية ضخمة لإعادة إعمار أوروبا الغربية المدمّرة بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي والحد من النفوذ السوفييتي الشيوعي.
** معضلة الطاقة
ويرى هنيد أن ما يقوم به ترامب من تهديد مباشر للاقتصاد الأوروبي والدول الأوروبية، بأنه قد يقطع عنهم مصادر الطاقة، أو محاولته إغرائهم بالسيطرة على النفط الإيراني في جزيرة خارك التي يدعي أنه يمكنه السيطرة عليها، سيكون له عواقب وخيمة على العلاقات الاقتصادية والتجارية مع أوروبا.
ويضيف: "العلاقات الاقتصادية والتجارية بين واشنطن وأوروبا هي أساسا متردية منذ وصول ترامب للسلطة خاصة بعد فرضه الرسوم الجمركية التي أثرت تأثيرا شديدا على الاقتصاد الأوروبي".
وحول انتباه أوروبا للتأثيرات السلبية لمواقفها المساندة للولايات المتحدة قال هنيد: "هذا حاصل منذ الحرب العالمية الثانية لكن السؤال الأهم هو: ماذا يمكن العمل بهذا الوعي؟."
وأشار إلى أن دول أوروبا تدرك تداعيات مساندتها للمواقف الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية ولكنها لا يمكنها فعل شيء تجاه ذلك.
وتابع: "اللوبيات الصهيونية المرتبطة برجال أعمال وشركات كبرى يمكنها في بعض الأماكن أن تحدد حتى رؤساء الدول وتشكل الحكومات".
واستدرك: "إلا أن النخب الأوروبية وأحزابها عندما تدرك أن مساندة المشروع الصهيوني والإدارة الأمريكية لم تعد عليها إلا بالضرر فلن يتبقى لها بدائل أخرى إلا رفض مساندة المواقف الأمريكية خاصة وأنها لا تزال تعاني من صراع مفروض عليها مع روسيا".
** المستفيد الأكبر
أما المستشار الأسبق لوزير الخارجية التونسي من 2012 إلى 2013 منار محمد السكندراني فقال إن أوروبا لم تتم استشارتها في هذه الحرب بل دعيت للالتحاق بها بعد اندلاعها، وهو ما يدفعها لرفض المشاركة بها خاصة بعد التجارب المريرة التي خاضتها مع الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.
وأضاف السكندراني للأناضول أن "الأوروبيين استخلصوا أن الولايات المتحدة تتبرأ منهم في النهاية، عندما تحصل على ما تريد وتتركهم يواجهون العواقب وحدهم، وفي الحرب الأوكرانية، وصلت الأمور إلى حد أن واشنطن بدأت تُحمّل الأوروبيين مسؤولية ما حدث، وتتفق مع روسيا لضربهم ومعاقبتهم".
وأشار إلى أن الإدارات الأمريكية التقليدية كانت تعمل ضمن إطار مؤسساتي تراكمي مثل مجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، والبنتاغون، وأجهزة الاستخبارات، والكونغرس، وهذه المؤسسات كانت تنتج سياسة خارجية يمكن التنبؤ بها، مبنية على استراتيجيات طويلة المدى، بينما تحول كل هذا في عهد ترامب إلى "سياسة اتخاذ القرار من قبل شخص واحد فقط".
ورأى أن "أوروبا التي تقوم سياستها على مؤسسات راسخة وقانون دولي صارم، لم تكن مستعدة لأن تُساق إلى حرب تقودها شخصية لا تعمل بمنطق المؤسسات".
** مخاطر الفوضى الاقليمية
وأوضح السكندراني أن إسرائيل التي ارتكبت إبادة في قطاع غزة وأعلنت عن عزمها استكمال ما تسميه "مشروع إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل" تجعل مصالح أوروبا مع العرب في "خطر حقيقي".
وأضاف: "مشروع إسرائيل الكبرى سيمحو أوروبا من التاريخ لتأخذ مكانها. وإسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها آخر قوة إقليمية قادرة على منع مشروع التفكيك الذي تعمل عليه منذ عقود."
وتابع: "إسرائيل لا تحتاج إلى احتلال جغرافي مباشر لتحقيق هدف إسرائيل الكبرى، بل تحتاج إلى تفكيك القوى المحيطة وتحويلها إلى كيانات ضعيفة متناحرة، بعد العراق وسوريا والسودان وليبيا، تبقى إيران وتركيا ومصر هي القوى الثلاث التي تمنع إسرائيل من فرض هيمنة كاملة على الإقليم ."
واعتبر السكندراني أن أوروبا تدرك أن أي حرب برية على إيران ستفتح الباب أمام فوضى إقليمية تمتد من الخليج إلى تركيا، وستخلق موجات هجرة وانهيارات اقتصادية ستصل مباشرة إلى أوروبا.
وأردف أن أوروبا لذلك ليست متحمسة لمشروع الحرب على إيران، الذي ترى أنه يخدم واشنطن وتل أبيب أكثر مما يخدم المصالح الأوروبية.
واستطرد: "أوروبا تدرك أن هذه الحرب ليست حربها، فلا ناقة لها فيها ولا جمل ولذلك لم تستجب للدعوات الأمريكية للمشاركة البرية، لأنها ترى أن الدخول في صراع بهذا الحجم لا يخدم مصالحها الاستراتيجية ولا الاقتصادية."
** انعكاسات غير مطلوبة
وأوضح السكندراني أن الجغرافيا أيضا تعمّق الفجوة بين الطرفين، فأوروبا ملتصقة بالعالم العربي والإسلامي، وتعيش على حدود الشرق الأوسط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وأي حرب في الخليج أو إيران ستنعكس مباشرة على أوروبا بموجات هجرة واضطرابات أمنية وارتفاع أسعار الطاقة وتوترات داخلية، أما الولايات المتحدة فهي بعيدة جدا جغرافيًا "لذلك فتأثرها يظل محدودا".
وأضاف: "المعركة مع إيران ليست عسكرية فقط، بل اقتصادية أيضًا، فبعدما احتجزت الولايات المتحدة رئيس فنزويلا، وبعد حصار كوبا، فإن الوصول إلى مضيق هرمز سيشكل كارثة على أوروبا".
ويشير إلى أن أي اضطراب في المضيق يعني أزمة طاقة خانقة، وأوروبا أصلًا تعيش أزمة طاقة غير مسبوقة، لذلك فإن المشاركة في حرب برية قد تهدد أمن الطاقة الأوروبي "تبدو خطوة غير عقلانية".
واختتم السكندراني حديثه بالإشارة إلى أن غياب المشاركة الأوروبية في الحرب "ليس ترددا ولا ضعفا، بل حساب عقلاني للمصالح".
ومنذ 28 فبراير/ شباط الماضي، تشن إسرائيل والولايات المتحدة حربا على إيران خلفت آلاف القتلى والجرحى الإيرانيين، فيما ترد طهران بإطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل.
وتستهدف إيران ما تقول إنها مواقع ومصالح أمريكية في دول عربية، غير أن بعض الهجمات أسفرت عن قتلى وجرحى، وألحقت أضرارا بأعيان مدنية، وهو ما أدانته الدول المستهدفة.






