بعض الملاحظات حول مستقبل قريب يكتنفه الغموض

08:3323/04/2026, الخميس
تحديث: 30/04/2026, الخميس
سليمان سيفي أوغون

وصلت الحرب الإيرانية إلى طريق مسدود بشكل كامل. وعلى الرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار، فإن وصفه بوقفٍ حقيقي لا يمكن التسليم به إلا بشهادة ألف شاهد. فما زالت السفن تُستهدف. والولايات المتحدة التي تريد فتح مضيق هرمز تقوم بعمل غير مفهوم، وتُمارس في الوقت نفسه -بشكل يثير قول المثل «هذا ما لا يؤكل وهذا ما لا يُترك»- حصارًا على الخليج. يُقال إن المفاوضات ستبدأ، لكن الوفود لم تصل بعد إلى إسلام آباد. وهناك روايات متناقضة حول قرار إيران. ويبدو أن الإيرانيين ينظرون إلى التفاوض ببرود ويتمنعون عنه. أما الممثلون

وصلت الحرب الإيرانية إلى طريق مسدود بشكل كامل. وعلى الرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار، فإن وصفه بوقفٍ حقيقي لا يمكن التسليم به إلا بشهادة ألف شاهد. فما زالت السفن تُستهدف. والولايات المتحدة التي تريد فتح مضيق هرمز تقوم بعمل غير مفهوم، وتُمارس في الوقت نفسه -بشكل يثير قول المثل «هذا ما لا يؤكل وهذا ما لا يُترك»- حصارًا على الخليج.

يُقال إن المفاوضات ستبدأ، لكن الوفود لم تصل بعد إلى إسلام آباد. وهناك روايات متناقضة حول قرار إيران. ويبدو أن الإيرانيين ينظرون إلى التفاوض ببرود ويتمنعون عنه. أما الممثلون الأمريكيون فيتنقلون بين غرف الحرب في واشنطن. وهنا يطرح السؤال: هل حسم الطرفان خيار التفاوض في أذهانهم؟


من منظور إيران، يمكن للجميع أن يرى بوضوح خلفية هذا الخيار. فإيران التي تعرضت لدمار كبير في الحرب، تعلم أنها لا تملك ما تخسره. وهي مستعدة لتحمل أي قصف أشد من السابق بكل تكاليفه. وإيران كدولة والإيرانيون كأمة يُظهرون استعدادهم لدفع هذا الثمن بروح معنوية عالية. وتمتلئ شوارع المدن بحشود متحمسة يجمعها «ثقافة الشهادة» الخاصة بالشيعة.


ويُقال إن معيار الانتصار في الحرب هو كسر إرادة الطرف الآخر. وإذا قيس هذا المعيار، فإن إيران تحصل على العلامة الكاملة. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقول الشيء نفسه يبدو صعبًا جدًا. ومن ناحية أخرى، تمتلك إيران قدرات عسكرية قادرة على تحمّل حرب طويلة. والدعم الصيني والروسي مستمر بوتيرة عالية.

وقد أعلنت الولايات المتحدة مؤخرًا أنها صادرت من سفينة تحمل علم ماليزيا في الخليج مواد حساسة تُستخدم في تصنيع الصواريخ، ويُرجّح أنها جاءت من الصين. والولايات المتحدة تدرك كل شيء… لكنها عاجزة عن الفعل. وحجم هذه الإمدادات ومحتواها لا يزال غير معروف بدقة. وبرأيي الشخصي، فإن هذه المواد تحتوي على ما يمكن أن يوازن -بنفس المستوى- ورقة السلاح النووي التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل.


أما الولايات المتحدة فهي في حالة من الحيرة. نعم، هي تستعد، وقد حشدت آلاف الجنود في المنطقة. وإذا عادت الحرب، فمن المؤكد أنها ستلجأ إلى قصف أعنف من السابق. لكن من المؤكد أيضًا أنها لن تحقق نتيجة حاسمة بذلك. ولا يبقى أمامها سوى خيار اجتياح بري واسع النطاق. وهذا ما تريده إيران أصلًا، إذ تدرك جيدًا أنها ستتمكن من هزيمة الجيش الأمريكي في حرب برية وإحراجه أمام الرأي العام العالمي. وفي ظل هذا الوضع، لماذا تعود إيران إلى مفاوضات تشبه «قصة ثعبان لا تنتهي»؟ ويمكن القول إن الدافع الوحيد لدى بعض الأطراف داخل إيران للتفاوض هو عدم الظهور بموقف المعرقل، وعدم الإضرار بالتفوق المعنوي الذي حققته أمام الرأي العام العالمي.


يبدو بوضوح أن إيران قد وضعت الولايات المتحدة في الزاوية. وهي ترغب في المضي حتى النهاية وإلحاق هزيمة مؤكدة بها وإخراجها من المنطقة. وهذا من منظورها أمر مفهوم تمامًا.


أعتقد أن السبيل الوحيد لخروج الولايات المتحدة من هذا المستنقع الذي علقت فيه هو التخلص من دونالد ترامب وفريقه «المجنون». عندها فقط يمكنها الادعاء بأن ما حدث هو خلل طارئ سببه ترامب وليس النظام الأمريكي نفسه. رغم أني لا أعلم إن كان هذا التبرير سيجد من يصدقه. لكنه على الأقل قد ينقذ ماء الوجه إلى حد ما. وأعتقد أن «مياه ترامب قد بدأت تسخن»، وأن المؤسسة الأمريكية قد تبدأ عملية ضده حتى قبل انتخابات نوفمبر. وإذا شاء الله، نتحدث عن ذلك لاحقًا. لكن في كل الأحوال، ستدفع الولايات المتحدة ثمن التماهي مع إسرائيل.


أرى أن الأحداث التي نشهدها تشير على المستوى العالمي إلى صراع كبير داخل الغرب. وأعتقد أن لهذا الصراع بُعدًا لاهوتيًا سياسيًا. فهناك تيار إنجيلي منبثق من البروتستانتية التقليدية لكنه تجاوزها إلى تطرف كبير، ويواجه مقاومة كاثوليكية قوية. كما تحاول الدوائر البروتستانتية التقليدية التخلص من التفسيرات التي تغذيها سيناريوهات نهاية العالم المريضة. والصراع محتدم جدًا. وقد اصطدم التيار الإنجيلي بجدار في إيران، وأظن أنه لم يعد لديه فرص كبيرة. لكن هذا التيار معروف بإمكانية اللجوء إلى أي نوع من الجنون، ولا يُتوقع منه الاستسلام بسهولة.


وبالمناسبة، هل تتابعون إسرائيل؟ في حرب إيران، بدأوا يتراجعون إلى الخلف تدريجيًا. وكأن الحرب تحولت إلى مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران فقط. وتوجه إسرائيل ثقلها نحو لبنان، ومن الواضح أن سوريا ستتبع ذلك، وفي النهاية سيكون الهدف تركيا. فقد بدأوا في شيطنة تركيا حتى قبل أن يحققوا أهدافهم في إيران. ويبدو أنهم يستغلون تعثر الملف الإيراني لصالحهم. وبينما تنشغل الولايات المتحدة بإيران، تواصل إسرائيل التقدم في محيطها الإقليمي.


وفي الوقت الذي يتحدث فيه المبعوث الأمريكي باراك في أنطاليا عن «اتفاقات أبراهام» وعن التقارب التركي-اليهودي، تصدر عن شخصيات إسرائيلية رفيعة تصريحات تحرّض ضد تركيا. ويحاول باراك التقليل من شأن هذه التصريحات واعتبارها مجرد خطاب دعائي. لكن الواقع ليس كذلك إطلاقًا. يجب فهم التناقض بين الرؤيتين: من جهة هناك نموذج اتفاقات أبراهام الذي أصبح متآكلاً، وهو حلم التيار الإنجيلي. والسعودية لا تنخرط فيه، وتركيا وباكستان تعارضان أيضًا. وهناك محاولة لفرض نموذج آخر يضم مصر أيضًا، ويبدو أن بريطانيا -المنفصلة عن التكتل الأطلسي الذي يتصدع بعد ترامب- تقف خلف هذا الطرح. وقد ظهر ممثلو هذا التحالف في صورة في أنطاليا، لكن هذا النموذج أيضًا يبدو خامًا ومليئًا بالمشكلات.


فكل تحالف يقوم على إدراك مشترك للتهديد. والسؤال الذي يجب طرحه هنا: هل يُصمم هذا التحالف لموازنة تطرف إسرائيل؟ وإن لم يكن كذلك، فهل الهدف هو تشكيل كتلة سنية قوية وتوجيهها ضد إيران؟


نمر بأيام شديدة الحساسية والغموض. وما أعرفه يقينًا هو أن من يخطئ في هذه المرحلة سيدفع ثمنًا باهظًا للغاية.

#الحرب الإيرانية
#وقف إطلاق النار
#أمريكا