تمهيد أولي

10:0229/04/2026, الأربعاء
تحديث: 30/04/2026, الخميس
طه كلينتش

«انسوا أطفالكم! اذهبوا إلى نسائكم وأنجبوا أطفالًا جددًا. وإن لم تستطيعوا، فسيقوم رجالي بذلك!» كان هذا هو الرد الوقح والبذيء الذي تلقّاه عدد من أهالي درعا الذين قصدوا محافظ السويداء سهير رمضان، مطالبين بإطلاق سراح أبنائهم الذين اعتقلتهم قوات الأمن. ولم يكن ذنب الأطفال سوى أنهم كتبوا على أحد جدران درعا عبارة: «إجاك الدور يا دكتور!» (جاء دورك يا دكتور!). في تلك الأيام الساخنة من عام 2011، وبعد سقوط رئيسي تونس زين العابدين بن علي ومصر حسني مبارك، لم يكن أبناء درعا وحدهم من يقول إن الدور قد حان على الرئيس

«انسوا أطفالكم! اذهبوا إلى نسائكم وأنجبوا أطفالًا جددًا. وإن لم تستطيعوا، فسيقوم رجالي بذلك!»

كان هذا هو الرد الوقح والبذيء الذي تلقّاه عدد من أهالي درعا الذين قصدوا محافظ السويداء سهير رمضان، مطالبين بإطلاق سراح أبنائهم الذين اعتقلتهم قوات الأمن. ولم يكن ذنب الأطفال سوى أنهم كتبوا على أحد جدران درعا عبارة: «إجاك الدور يا دكتور!» (جاء دورك يا دكتور!).

في تلك الأيام الساخنة من عام 2011، وبعد سقوط رئيسي تونس زين العابدين بن علي ومصر حسني مبارك، لم يكن أبناء درعا وحدهم من يقول إن الدور قد حان على الرئيس السوري بشار الأسد، بل كان ذلك حديث ملايين البشر حول العالم. خطأ الأطفال الوحيد أنهم كتبوا ذلك على جدار في بلد مثل سوريا، حيث كانت أجهزة الاستخبارات تراقب كل تفصيل فيه، وكأنه بلد مجنون بالكامل.


الشخص الذي وجّه الآباء اليائسين إلى سهير رمضان كان رئيس الأمن السياسي في محافظة درعا عاطف نجيب.

نجيب، وهو ابن فاطمة مخلوف (خالة بشار الأسد)، كان يُنظر إليه باعتباره نقطة نفوذ قريبة من السلطة. لكنّه لم يقدّم أي حل، بل إن موقف سهير رمضان نفسه زاد من جرح كرامة الناس. اضطرّ أهالي درعا إلى ابتلاع الإهانة العلنية التي طالت شرفهم على يد محافظ متسلّط، لكنهم عند عودتهم من اللقاء لم يعودوا قادرين على كبح غضبهم.


كان الشباب خصوصًا يعتزمون الخروج إلى الشارع للاحتجاج بشكل جماعي على ما تعرّضوا له من معاملة قاسية. وللتشاور حول ما ينبغي فعله، توجهوا إلى إمام الجامع التاريخي «جامع العمري» في درعا، الشيخ الأعمى أحمد الصياصنة، رمز المدينة. وعندما سُئل: «هل أنت معنا؟» أجاب دون تردد: «نعم». وكان للشيخ أصلًا موقف معارض طويل الأمد لنظام البعث.


وفي 18 مارس/آذار 2011، بدأت أولى التظاهرات في درعا بعد صلاة الجمعة وخروج المصلين من المساجد. وخلال تدخل قوات أمن البعث في مسجدي حمزة والعباس، قُتل شاب يُدعى علي المسالمة. وكان المسالمة أول ضحية موثّقة في سلسلة الأحداث السورية التي ستتحول لاحقًا إلى مأساة شاملة. وما إن سال الدم، حتى أصبح من المستحيل احتواء ما يجري.


في الأيام التالية، اضطر عاطف نجيب وسهير رمضان إلى طلب مساعدة الشيخ أحمد الصياصنة للسيطرة على شباب درعا. لكن الصياصنة اشترط إطلاق سراح مئات المعتقلين، فلم يتم التوصل إلى اتفاق.


وفي 23 مارس/آذار، انقطعت الكهرباء وشبكات الهاتف بالكامل عن درعا، في إشارة واضحة إلى حصار شامل. وبالفعل، اقتحمت قوات الجيش في المساء جامع العمري وأطلقت النار على المصلين المجتمعين لصلاة العشاء، ما أدى إلى مقتل 10 أشخاص. وكانت صيحات الجنود «اسجدوا لبشار!» ستظل عالقة في أذهان الشهود إلى الأبد. وفي الأيام التالية، ظهرت على جدران مدن سورية عديدة عبارة تكشف منطق السلطة: «إما الأسد… أو نحرق البلد».


وفي 25 مارس/آذار 2011، وبعد مقتل 15 مدنيًا في بلدة الصنمين شمال درعا، هاجم الأهالي تمثال حافظ الأسد وحطموه. وفي اليوم نفسه، انتقلت الأحداث بسرعة إلى العاصمة دمشق.


في الجامع الأموي، وبعد انتهاء خطبة سعيد رمضان البوطي أحد أبرز المدافعين عن نظام البعث، بدأت الهتافات تتعالى. مئات الأشخاص داخل المسجد وخارجه كانوا يهتفون: «حرية، حرية!» و«بالروح بالدم نفديك يا درعا!».

ومع تصاعد الفوضى، تدخل عناصر المخابرات المنتشرون بين الحشود وبدأوا بضرب المتظاهرين واعتقال من تمكنوا من الإمساك به. ومع ازدياد التوتر، أُخرج البوطي من المسجد قبل إتمام صلاة الجمعة، بعد أن شُكّل حوله طوق أمني كثيف. وفي الوقت ذاته، كان في مدينة دير الزور شرق سوريا من خرجوا من صلاة الجمعة يحرقون كتب البوطي، الذي أصبح بدوره هدفًا لغضب الشارع بسبب دعمه الطويل للنظام.


في الحقيقة، كان موضوع مقالي اليوم هو محاكمة عاطف نجيب التي بدأت في دمشق مؤخرًا. لكن، ومع ضعف الذاكرة لدينا أحيانًا، كان لا بد من مقدمة بعنوان: «ماذا حدث قبل ذلك؟» للتذكير. وسنواصل من هذه النقطة يوم السبت.

#عاطف نجيب
#الثورة السورية
#محاكمة عاطف نجيب
#درعا