قراءة في الخلفيات.. تطورات لافتة في كركوك

08:0224/04/2026, الجمعة
تحديث: 30/04/2026, الخميس
يحيى بستان

عندما طرحتُ من هذا المنبر سؤال: «ألم يحن الوقت للحديث مع ذلك الفاعل؟» (17 فبراير)، لم أكن أتوقع أن تتسارع التطورات بهذا الشكل. لم تكن هجمات الولايات المتحدة/إسرائيل على إيران قد بدأت بعد. كان الموضوع يتعلق بالدعم غير المشروط الذي يقدّمه بارزاني (ووسائل إعلامه) لتنظيم قسد/واي بي جي المتفكك. بل وأكثر من ذلك. كان لافتًا أن عائلة بارزاني خرجت عن تقاليدها الراسخة وقدمت -لأول مرة- مرشحًا لرئاسة الجمهورية في العراق. كانت الإدارة، مستندة إلى الدعم الذي تتلقاه من الولايات المتحدة التي نقلت وجودها العسكري

عندما طرحتُ من هذا المنبر سؤال: «ألم يحن الوقت للحديث مع ذلك الفاعل؟» (17 فبراير)، لم أكن أتوقع أن تتسارع التطورات بهذا الشكل. لم تكن هجمات الولايات المتحدة/إسرائيل على إيران قد بدأت بعد. كان الموضوع يتعلق بالدعم غير المشروط الذي يقدّمه بارزاني (ووسائل إعلامه) لتنظيم قسد/واي بي جي المتفكك. بل وأكثر من ذلك.

كان لافتًا أن عائلة بارزاني خرجت عن تقاليدها الراسخة وقدمت -لأول مرة- مرشحًا لرئاسة الجمهورية في العراق. كانت الإدارة، مستندة إلى الدعم الذي تتلقاه من الولايات المتحدة التي نقلت وجودها العسكري في العراق إلى أربيل تسعى إلى زعزعة الوضع القائم، سواء في العراق أو في المنطقة. وكنت أرى أن ذلك يثير امتعاضًا في أنقرة. وبناءً عليه، كان لا بد من القيام بخطوة جديدة و«موازنة» إدارة بارزاني.

«فُتِحَتْ صفحة جديدة»


بصراحة، حين كتبتُ هذه الأمور، لم أكن على علم بما يجري في الكواليس. لاحقًا علمتُ أن أنقرة بدأت التحدث مع بافل طالباني، الذي كانت تواجه معه مشاكل بسبب دعمه العلني لتنظيم بي كا كا الإرهابي ، بل وتم اعتبار ذلك «صفحة جديدة». كما تبيّن أن طالباني كان يرى أن المشكلات التي حدثت في الماضي «لم يكن ينبغي أن تقع».

وخلال هذه العملية، لعب رئيس جهاز الاستخبارات التركية، إبراهيم قالن، دورًا مهمًا. وكان السياق هو مسار «تركيا الخالية من الإرهاب». ويُفهم أن مقاربة قالن تمثلت في التواصل مع «جميع الفاعلين الذين قد يضرّون بالعملية»، وإبقائهم داخل اللعبة، وبالتالي تقليل المخاطر. ويمكن القول إنه نجح في ذلك إلى حد كبير.


تحذير حاسم للموساد


الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران في 28 فبراير، غيّرت كثيرًا من المعادلات في المنطقة جذريًا. وكان مسار هذه الحرب يهمّ بشكل مباشر شكل البنية الإقليمية الجديدة وتركيا. كانت المؤشرات الأولى سلبية، لأن الولايات المتحدة/إسرائيل تواصلت بشكل مباشر مع الجماعات الانفصالية في المنطقة (بما في ذلك دونالد ترامب وتوم باراك).

ونعلم أن جهاز الاستخبارات التركي عاد إلى الواجهة في هذه المرحلة تحديدًا، وأنه مارس ضغطًا شاملًا على جميع الفاعلين، بما في ذلك الجماعات الانفصالية في إيران، وأن إمرالي لعب دورًا إيجابيًا في هذه العملية، بل وتم توجيه تحذير مباشر إلى الموساد. ونتيجة لتحذير أنقرة الواضح، واصلت إسرائيل اتصالاتها مع الجماعات الانفصالية الأخرى، لكنها ابتعدت عن «بيجاك» (فيما يتعلق بتقديم السلاح). وخلال هذه الفترة.

ابتعد كل من بارزاني، وكذلك (بدرجة أكبر) مجموعة طالباني، عن إسرائيل، وذلك بسبب توجيهات تركيا، والاعتقاد بعدم تغيّر النظام في إيران، وخطر انزلاق العراق إلى حرب أهلية. وكان هذا الموقف أحد المحطات الأساسية في بناء الثقة بين أنقرة والسليمانية.


الأطراف تنتظر على الطاولة


يتّضح مسار الحرب في إيران تدريجيًا. وقد ظهرت حدود إسرائيل (بل وحتى الولايات المتحدة). وفي المرحلة التي وصلنا إليها، أُعلن وقف إطلاق النار. والطاولة في باكستان تنتظر الأطراف للجولة الثانية. وكنا قد كتبنا في مقال سابق، استنادًا إلى ملاحظات من الكواليس، أن الطرفين «توصلا إلى اتفاق بنسبة 80%».

إلا أن إصرار ترامب على فرض حصار على مضيق هرمز أطال أمد العملية. ولم تكتفِ الولايات المتحدة بذلك، بل صادرت سفينة إيرانية، ونفّذت عملية إنزال على أخرى. ويبدو أن ترامب، الذي يرغب بشدة في «خروج مشرّف»، يسعى إلى إجبار إيران على «الخضوع» قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وإلى إعلان «نصر واضح». لكن طهران ترى رغبة ترامب في السلام ومأزقه في الوقت نفسه. وقد قامت هي أيضًا بالاستيلاء على سفينتين، وبذلك تعادل الوضع. وإذا لم يُقدم ترامب على خطوة جديدة تعزز موقفه على الطاولة، أعتقد أن المفاوضات ستُستأنف في باكستان.


مجال جديد للمنافسة مع إسرائيل


كما أشرنا سابقًا، حتى وإن لم تتمكن أنقرة من إيقاف الحرب، فإنها وضعت استراتيجية لتحويل نتائجها إلى مكاسب إيجابية. ومع انكشاف حدود إسرائيل بشكل خاص، بدأ الحديث يتزايد عن شكل البنية الإقليمية الجديدة بعد الحرب. إن «سداسي التحالفات» الذي تسعى إليه إسرائيل، يعزّز في المقابل التنسيق بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان. هذا أولًا. وثانيًا، هناك «البنية الجديدة للطاقة» التي شدد عليها وزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار. وتمتلك تركيا أربعة مشاريع كبرى في هذا المجال . ولإنجاح هذه المشاريع، التي ستؤثر بعمق على سوق الطاقة العالمي، هناك حاجة إلى الوقت والدقة والصبر (وهنا يكمن مجال المنافسة الجديد مع إسرائيل).


أول ثمار المرحلة الجديدة


وفي خضم ذلك، ظهر أول أثر إيجابي للحرب الإيرانية على المدى القصير بالنسبة لتركيا والمنطقة. فمن دون سابق توقع، استقال في كركوك المحافظ السابق ربوار طه، المقرب من طالباني، من منصبه. وفي التصويت الجديد الذي قاطعه تيار بارزاني احتجاجًا، تم انتخاب تركماني، هو محمد سمن آغا، محافظًا لكركوك لأول مرة منذ 100 عام. وبذلك، تم تفعيل آلية «المحافظة بالتناوب» التي كانت أنقرة تطالب بها.


وخلف هذا التطور التاريخي لعبت عدة عوامل دورًا مهمًا:

أولًا: رغم سعي بارزاني إلى رئاسة الجمهورية مخالفًا الاتفاقات والتقاليد، تم انتخاب مرشح طالباني نزار آمدي رئيسًا للجمهورية بدعم سني وشيعي وتركماني.

ثانيًا: الحوار الذي بدأ يتبلور بين أنقرة وبافل طالباني

ثالثًا: تراجع تأثير إيران على طالباني بعد أن تلقت ضربات قاسية في الحرب

رابعًا: حالة الزخم التي نشأت نتيجة الاتصالات ضمن مسار «تركيا الخالية من الإرهاب».


ورغم المؤشرات الإيجابية، لا يزال مسار الحرب الإيرانية غير واضح، وبالطبع لا تزال أمامنا تساؤلات مهمة. ومع ذلك… فإن تركيا، بفضل عدد سكانها، واقتصادها، وقدراتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية، تمتلك وزنًا نوعيًا كبيرًا في المنطقة. ومع توقع تراجع الوجود الأمريكي في المنطقة، وضعف تأثير إيران، يتشكل فراغ.

وهنا تأتي مفارقة الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ والقدر: إن ثقل تركيا يجذب الفاعلين الإقليميين نحوها كالمغناطيس داخل هذا الفراغ. وهذا مكسب لا تستطيع إسرائيل تحقيقه بالقوة العسكرية. وعندما تنتهي الحرب، سنرى هذه الصورة بشكل أوضح.

#الحرب الإيرانية
#بارزاني
#تركيا
#إبراهيم قالن