
الحرب بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران (لكن في العمق الحرب بين أوكرانيا وروسيا) أدّت إلى اهتزازات وانكسارات على المستويين العالمي والإقليمي. وكل هذه التطورات تمسّ تركيا بشكل مباشر. وهناك خصوصًا تركيز سلبي متزايد على قبرص. وفي الوقت الذي يتبلور فيه محور إسرائيل – قبرص اليونانية – اليونان كمحور مؤسسي، يقوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمنح أثينا «ضمانات ضمنية» ضد أنقرة. وبينما تعزّز تركيا حضورها داخل الناتو، تعمل بعض قيادات الاتحاد الأوروبي على إنشاء «ناتو أوروبي» بديل. فهل يمكن فعلاً إنشاء ناتو أوروبي؟ وماذا يحاول ماكرون أن يفعل؟ ولماذا قدّمت بريطانيا في هذه اللحظة بالذات عرض شراكة استراتيجية لتركيا؟ لفهم ما يجري لا بد من الإجابة عن هذه الأسئلة.
صراع قوى جديد في الجناح الغربي
الولايات المتحدة تستعد لتقليل حضورها داخل الناتو، ما يجعل مسألة من سيهيمن على أوروبا محورًا أساسيًا. واشنطن تشجّع ألمانيا على تحمّل مسؤوليات أكبر. وقد نشرت ألمانيا، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وثيقة استراتيجية عسكرية. كما تسعى لاستخدام صناعتها المتقدمة في السيارات كجزء من البنية الدفاعية، وتناقش رفع عدد جيشها إلى 260 ألف جندي وإعادة التجنيد الإلزامي. بهذا المعنى يمكن القول إن ألمانيا أصبحت أكثر رغبة في قيادة أوروبا (ويُقال إن الألمان لأول مرة في تاريخهم يقدّمون طلبات دفاعية من هذا النوع).
هذا الوضع يزعج فرنسا. ماكرون كان أحد القادة الأوروبيين الذين اصطفوا أمام ترامب في البيت الأبيض. وجاءت تلك الصورة المزعجة، إضافة إلى إسناد أدوار أكبر لألمانيا، بعد سلسلة تطورات أخرى: أولًا، خسرت فرنسا مواقع استراتيجية في أفريقيا وتم إخراجها من بعض الدول. ثانيًا، تم تهميشها في ملف قره باغ ضمن إطار «مجموعة مينسك». ثالثًا، لم تستطع المشاركة في المنافسة داخل سوريا ولبنان بوصفهما من مناطق نفوذها السابقة (حيث حاولت جمع دمشق و«قسد» في باريس لكن أنقرة منعت ذلك، كما تم استبعادها في لبنان لصالح تفاهمات أمريكية إسرائيلية). لذلك يحاول ماكرون الآن التحرك بشكل أكثر فاعلية لتعويض خسائره.
وضع قبرص لن يعود كما كان
في هذا السياق تسعى فرنسا إلى عدة خطوات:
أن تكون جزءًا من الضمانات الأمنية البرية بعد أي وقف محتمل لإطلاق النار في أوكرانيا.
تنظيم مؤتمرات دولية حول لبنان وسوريا.
محاولة قيادة قوة دولية محتملة لفتح مضيق هرمز وتنظيفه من الألغام.
تقديم «مظلة نووية» لبعض الدول الأوروبية.
إرسال فرقاطات إلى قبرص بعد التطورات المرتبطة بالحرب مع إيران، وتوقيع اتفاق لإنشاء قاعدة دائمة في الجزيرة (وهو ما يعني تغييرًا دائمًا في وضع قبرص، ونسف حلم إعادة توحيدها).
توقيع اتفاق دفاع مشترك مع اليونان.
هل يمكن إنشاء «ناتو أوروبي»؟
الأحلام كبيرة لكن الإمكانيات محدودة. لا فرنسا هي فرنسا السابقة، ولا تركيا هي تركيا السابقة. وحتى فكرة إنشاء حلف بديل للناتو داخل الاتحاد الأوروبي تثير الكثير من التساؤلات. ويقول المطلعون: «ناتو أوروبي غير ممكن، ولا توجد القدرة اللازمة له». ويضيف عسكريون أوروبيون ساخرين: «لو اتصل بنا أحد في الثالثة فجرًا فلن نجد من يجيب الهاتف». كما أن مساعي ألمانيا لبناء جيش من 260 ألف جندي تصطدم بطبيعة المجتمع الرفاهي والشباب غير الراغب في الخدمة العسكرية. وفي النهاية قد تجد أوروبا نفسها تمتلك أسلحة وطائرات كثيرة لكنها عاجزة عن التحرك في مواجهة أزمات كإيران.
في المقابل، تقدّم بريطانيا عرض شراكة استراتيجية لتركيا كخطوة ضمن الاستعداد لـ«ما بعد الولايات المتحدة». ولا يزال «الوريد الإمبراطوري» في لندن يمنحها مرونة كبيرة في قراراتها الاستراتيجية، بينما تتأرجح أوروبا بين البعد الأيديولوجي لدى فون دير لاين وطموحات ماكرون المتأخرة.
من الوكلاء إلى «دول بالوكالة»
أعادت الحرب الروسية على أوكرانيا طرح فكرة أن «الدول يمكن احتلالها»، ما أثار إنذارًا في أثينا. فاليونان، التي ترى تركيا تهديدًا، تجد نفسها مضطرة للاعتماد على قوة ثالثة بسبب ضعف موقعها، وبالتالي لا تملك خيارًا سوى قبول دور «الوكيل» لهذه القوة. (في المنطقة تتحول التنظيمات الوكيلة إلى دول وكيلة، وأوكرانيا أول مثال، واليونان مثال ثانٍ). حاولت أثينا بداية الاعتماد على الولايات المتحدة، لكن الحكومة اليونانية لم تعد تحصل على مواعيد مع ترامب، كما أن الغموض في السياسة الأمريكية زاد قلقها. لذلك اتجهت (بتشجيع أمريكي) نحو إسرائيل، مع تعزيز التعاون مع فرنسا لضمان الحماية.
محاولة جرّ تركيا إلى صراع
قضت تركيا أكثر من 40 عامًا في مواجهة تنظيمات إرهابية بالوكالة. والتحركات الأخيرة من اليونان (رسالة الـ12 ميل إلى الأمم المتحدة، نشر بطاريات صواريخ في الجزر، التحالف مع إسرائيل) تهدف إلى استفزاز تركيا. الهدف – بحسب التحليل – هو جرّ تركيا، التي عززت موقعها الاستراتيجي عبر سوريا وليبيا وأفريقيا، إلى صراع غير مباشر ودفعها إلى «ولادة مبكرة» للصدام. وتسعى إسرائيل إلى تحويل تركيز تركيا من سوريا والشرق الأوسط إلى بحر إيجه، وإفساد اللغة الجديدة التي بنتها أنقرة مع الغرب، قبل أن تترسخ نهضة الصناعات الدفاعية التركية (كما وصفها الأمين العام للناتو). ومن منظور أنقرة، هذه هي الصورة العامة. وتؤكد تركيا أنها ستتصرف بصبر وحذر، لكنها لن تتسامح مع أي مساس بحقوقها ومصالحها.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة