
في اليوم الأربعين من الضربات الجوية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تم التوصل إلى وقفٍ مؤقت لإطلاق النار. وكان أبرز بنود المفاوضات التي جرت في باكستان هو إعادة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب. غير أن «مضيق هرمز» لم يكن ضمن الأهداف السياسية للهجوم الأمريكي-الإسرائيلي المشترك؛ إذ إن إغلاقه كان أحد النتائج غير المتوقعة لهذه الحرب.
الحروب لا تسير كما تُخطَّط لها. فهناك عوامل لا تُحصى تؤثر في مسارها، وبعض هذه العوامل يبدو تافهًا إلى درجة أنه لا يُؤخذ بالحسبان مسبقًا. ومن الأمثلة اللافتة على ذلك حادثة وقعت في المشهد الأخير من محاولة أثينا غزو صقلية قبل 2500 عام.
في تلك اللحظة، قرر القائد الأثيني نيسياس سحب قواته، لكن «خسوفًا قمريًا» حدث في التوقيت ذاته. وكان الأثينيون يعتقدون أن خسوف القمر نذير شؤم، لذلك أجّل نيسياس قرار الانسحاب. غير أن هذا التأجيل انتهى بتدمير الجيش والأسطول الأثينيين. فالانسحاب كان يعني هزيمة، لكن إبادة الجيش والأسطول، مع قادتهما وفي مقدمتهم نيسياس، كانت هزيمة مضاعفة.
كما أشرتُ في مقالات سابقة، فإن الأثينيين الذين ذهبوا لغزو صقلية بأسطول ضخم كانوا يتوقعون أن تستسلم مدينة سيراكوزا المحاصَرة دون مقاومة. لكن عوامل لم تُحسب، ولم يُعتدّ بها، ولم يُتوقع تأثيرها، أدت إلى بقائهم هناك لأكثر من عامين؛ لقد وصلوا، لكنهم لم يستطيعوا العودة.
وقد أشار الجنرال والاستراتيجي البروسي كارل فون كلاوزفيتز في كتابه الشهير «عن الحرب» (1832)، في فصل «الاحتكاك في الحرب»، إلى أن العوامل البسيطة قد تُحدث نتائج حاسمة، فقال:
«لكل حرب خصائصها الخاصة. فكل حرب أشبه ببحر مجهول مليء بالصخور: قد يستشعر القائد هذه الصخور، لكنه لم يرها من قبل، ولذلك عليه أن يحدد مساره في الظلام ويتجنبها. وإذا هبّت رياح معاكسة، أي إذا انقلب الحظ ضده، فإن ما يبدو طبيعيًا لمن ينظر من بعيد لا يمكن تجاوزه إلا بمهارة عظيمة، وطاقة، ورباطة جأش».
وفي فيلم «الأشياء الصغيرة»، يقول جون ديكون، الذي يؤدي دوره دينزل واشنطن، لزميله المحقق المبتدئ: «التفاصيل الصغيرة يا جيمي! التفاصيل الصغيرة هي التي تدمّرك». وهذه العبارة تجسيد سينمائي لفكرة كلاوزفيتز بأن الأمور التي تبدو بسيطة قد تكون قاتلة.
لقد أدى سوء تقدير أثينا لقدرة العدو على الصمود وإرادته في القتال إلى إطالة حملة كان يُفترض أن تكون قصيرة. ورغم إدراكها للخسارة، وقعت أثينا في وهم أن إرسال تعزيزات إضافية قد يغيّر النتيجة. وكان غرورها يمنعها من الاعتراف بهزيمة أسطولها، الأكبر في العالم اليوناني آنذاك.
وقد استثمرت أثينا كثيرًا في غزو صقلية، ولتفادي ضياع هذا الاستثمار، أنفقت المزيد من الأموال وأرسلت مزيدًا من الجنود والسفن، لكن النتيجة لم تتغير. لقد كان ثمن الغرور الإمبريالي باهظًا من دماء الأثينيين ومواردهم. ويُعرف هذا النمط اليوم في الدراسات الحديثة باسم «مغالطة التكاليف الغارقة».
وينطبق الأمر نفسه على التدخل الأمريكي في فيتنام، الذي بدأ بقصف جوي مكثف. فقد كانت الولايات المتحدة تعتقد أن القصف سيكسر إرادة «قوات فيتنام الشمالية»، لكنها لم تحقق ما أرادت، واضطرت إلى إرسال مئات الآلاف من الجنود برًا. ومع تصاعد الحرب، بدأت مفاجآتها تظهر، ودفع الجيش الأمريكي، رغم تفوقه العسكري الهائل، ثمن استخفافه بمقاومة الفلاحين الفيتناميين.
فبينما كان الأمريكيون يقاتلون في بلد لا يعرفون موقعه على الخريطة، كان الفيتناميون يقاتلون من أجل تحرير وطنهم. وبعد نحو عشر سنوات وخسارة قرابة 60 ألف جندي، اضطرت الولايات المتحدة إلى الانسحاب وترك «حكومة فيتنام الجنوبية» لمصيرها.
ويرى المؤرخون أن «مغالطة التكاليف الغارقة» لعبت دورًا مهمًا في تصعيد «حرب فيتنام»، إذ إن صناع القرار، بعد استثمارهم الكبير في الحرب، لم يروا إمكانية للتراجع. ومثل المقامر الذي يضاعف رهاناته لاستعادة خسارته فينتهي بخسارة كل شيء، يقع الساسة في الفخ ذاته، ليصبحوا ضحايا كوارثهم السياسية.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة