
تورط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطأ كبير يشبه النزول إلى بئرٍ بحبل بنيامين نتنياهو. والآن يحاول ترامب بكل قوته الخروج من هذا البئر المظلم. لكن الحرب غير العادلة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لم تحقق أهدافها السياسية، بل أدت إلى ظهور مشاكل جديدة، في مقدمتها إغلاق مضيق هرمز. وهذا يُعد فشلًا استراتيجيًا للولايات المتحدة.
وقد انهار مسار المفاوضات الذي أُقيم بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، بعد أن رفضت إيران الشروط الأمريكية. وعقب ذلك، أعلن ترامب هذه المرة فرض «حصار بحري» على إيران. غير أن هذا الحصار لن يضر إيران أو روسيا أو الصين بقدر ما سيضر الحلفاء الأمريكيين في منطقة آسيا-المحيط الهادئ مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، إذ تعتمد هذه الدول بشكل كبير على الطاقة القادمة من الخليج. فهل من المفارقة أن يخرج ترامب من حرب إيران بإجراء يضر حلفاءه ويزيد من ابتعادهم عنه؟
ومن جهة أخرى، ستزداد حياة المواطنين الأمريكيين صعوبة، خاصة بسبب ارتفاع أسعار الوقود. كما أن ارتفاع التكاليف بالنسبة للمزارعين وشركات النقل سيجعل إمدادات الغذاء والأسمدة أكثر كلفة. ومن المتوقع أن يصبح هذا الملف أحد أبرز التحديات التي ستواجه الجمهوريين في انتخابات نوفمبر المقبلة.
أما نتنياهو، فلا يهتم بتدهور الحياة اليومية للأمريكيين ولا بالمخاطر السياسية التي يتعرض لها الجمهوريون. فهو يركز فقط على دفع أجندته الخاصة، وقد أدى توسيع الحرب إلى لبنان إلى إفشال المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مرة أخرى. وكان ترامب قد صرّح في مقابلة مع مجلة «تايم» في بداية أبريل قائلاً عن الإسرائيليين: «إنهم يفعلون ما أطلبه منهم. لقد أصبحوا فريقًا جيدًا. عندما أتوقف، يتوقفون». لكن نتنياهو أعلن أن لبنان لا يندرج ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، وترك ترامب في موقف محرج. وربما كان ترامب يردد في داخله: «يا لها من صداقة سيئة».
أكبر خطأ ارتكبه ترامب هو الدخول في حرب لا يوافق عليها معظم الأمريكيين من أجل مصالح إسرائيل. فالمعارضة لا تقتصر على الناخبين الديمقراطيين، بل تشمل أيضًا شريحة واسعة من الناخبين الشباب الجمهوريين.
بل إن ترامب بدأ يهاجم حتى المعارضين داخل معسكره، وعلى رأسهم تاكر كارلسون، إلى جانب عدد كبير من حلفائه، متخليًا عنهم لصالح التيار النيوكوني، والإنجيليين-الصهاينة، و«اللوبي الإسرائيلي». إن إبعاد شخصيات ذات تأثير جماهيري واسع مثل كارلسون ستكون له نتائج واضحة في انتخابات نوفمبر. بل إن العديد من المؤيدين السابقين لترامب بدأوا يفقدون الثقة به.
وفي انتخابات 2024، لم تقدم كامالا هاريس، مرشحة الحزب الديمقراطي، التزامًا بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، ما أدى إلى هزيمتها وخسارة حزبها لمجلسي الكونغرس. وتشير معلومات مسرّبة من «تقرير تقييم هزيمة الديمقراطيين» غير المنشور إلى أن غياب موقف واضح من إسرائيل كان أحد أهم أسباب الخسارة. ومن الممكن أن يتكرر السيناريو نفسه مع الجمهوريين في انتخابات نوفمبر بسبب إسرائيل.
أما السبب وراء هوس ترامب بإنقاذ نتنياهو من السجن فما زال يثير التساؤلات. إذ يضغط ترامب مرارًا على الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لمنح عفو خاص لنتنياهو المتهم بالفساد والرشوة. وربما يكون هذا الموقف من أكثر الثوابت استقرارًا في فترة ترامب الثانية.
وفي تصريح له بعد انتهاء الضربات الجوية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025، قال ترامب: «يجب إلغاء محاكمة بيبي نتنياهو فورًا، أو منحه عفو البطل العظيم». وأضاف أيضًا: «الولايات المتحدة هي التي أنقذت إسرائيل، والآن هي التي ستنقذ بيبي نتنياهو».
ويبقى السؤال: لماذا يكرّس ترامب نفسه لإنقاذ نتنياهو؟ هل لأنه يدرك أن نتنياهو مستعد لفعل كل شيء من أجل نجاته؟ أم لأنه يعتقد أنه لا يستطيع التخلص من نتنياهو ما لم يتم إنقاذه أولًا؟
أما سرّ النفوذ الذي يتمتع به نتنياهو داخل البيت الأبيض، فلا يزال لغزًا. لكن من الواضح أن لديه أوراق ضغط قوية دفع بها ترامب، رغم المعارضة الشعبية، إلى خوض حربين ضد إيران. وفي نهاية المطاف، ستنكشف هذه الأوراق يومًا ما.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة