
في مرحلة بات فيها مسار الحرب يتركّز على فتح مضيق هرمز، تشير تقارير تفيد بأن الرئيس ترامب قد ينسحب دون تحقيق هذا الهدف إلى احتمال نجاح استراتيجية إيران في «احتجاز الاقتصاد كرهينة». وقد أظهرت قرارات التأجيل التي أعلنها ترامب على مدى أسبوعين متتاليين بهدف تهدئة الأسواق العالمية حجم تأثير الضغط الاقتصادي الدولي. ورغم أن ترامب لم يلجأ حتى الآن إلى تدخل عسكري مباشر لمنع انتقال مرور ناقلات النفط عبر هرمز إلى السيطرة الفعلية الإيرانية، فإنه طرح خيارات مثل استهداف جزيرة خرج واحتلالها، لكنه في الوقت نفسه يرى أن مضيق هرمز ليس مشكلة أميركية خالصة.
ترامب، الذي ينتظر من حلفائه التدخل لفتح المضيق، حاول عبر الحرب التي بدأها مع إسرائيل أن يحوّل قضية هرمز إلى ملف متعدد الأطراف. إلا أنه، ومع عدم حصوله على دعم حقيقي من الحلفاء، قد يجد نفسه مضطرًا للانسحاب وكأنه سلّم مضيق هرمز لإيران، رغم ما سيترتب على ذلك من خسائر اقتصادية عالمية، مكتفيًا بالإعلان عن «نصر» سياسي وعسكري يزعم أنه تحقق.
حسابات إيران
لا تبدو إيران مستعدة للتخلي عن ورقة الضغط الاقتصادي عبر هرمز من دون ضمانات دائمة. فهي تسعى إلى استراتيجية تضمن عدم تعرضها لهجوم جديد من الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى رفع العقوبات. ورغم أن هذه السياسة تؤثر على الاقتصاد الأميركي، فإن التأثير الأكبر يطال دول المنطقة والدول الآسيوية الأكثر اعتمادًا على النفط المار عبر هرمز.
وبينما يحاول ترامب تهدئة الأسواق الأميركية عبر التلميح إلى إمكانية إنهاء الحرب، وصف سماحه بمرور بعض الناقلات الإيرانية بأنه «هدية» له. كما أن ارتفاع أسعار النفط داخل الولايات المتحدة قد يشكل عامل ضغط انتخابي كبير في انتخابات نوفمبر. كل هذه المعطيات تشير إلى أن استراتيجية إيران القائمة على الضغط الاقتصادي قد تحقق بعض أهدافها. لكن هذا التوازن قد يتغير إذا قرر ترامب استخدام قواته البحرية لعملية عسكرية لفتح المضيق.
منذ البداية، حاولت إيران زيادة الضغط على واشنطن عبر الضغط على دول الخليج اقتصاديًا وعسكريًا، ويبدو أنها حققت جزءًا من أهدافها. فالتصريحات المهينة التي استخدمها ترامب بحق محمد بن سلمان تعكس استياءه من امتناع دول الخليج عن الدخول في الحرب أو تمويلها.
ومع أن تركيز إيران على إسرائيل فقط كان قد يمنح مقاومتها زخمًا أكبر، فإنها اختارت دفع الخليج للضغط على واشنطن. وقد حققت بذلك نجاحًا جزئيًا، إلا أن عودة العلاقات الطبيعية بين دول الخليج وإيران ستحتاج إلى سنوات طويلة. ورغم أن سياسة إيران في رفع الكلفة الاقتصادية على الولايات المتحدة قد تمنحها مكاسب استراتيجية، فإنها قد تؤدي في المقابل إلى عزلة إقليمية شبه كاملة.
حسابات ترامب
يُعد انخفاض مستوى تأييد ترامب إلى أدنى مستوياته تاريخيًا دليلًا واضحًا على حجم الضغوط السياسية التي يواجهها. ومع ذلك، لا ينبغي تجاهل أن ترامب يتماهي مع أسلوب الحكم الفوضوي بل ويعتبره ميزة. فهو يتعامل مع التناقضات بشكل طبيعي، ويقدّم نفسه كقائد يطبق «نظرية الرجل المجنون» عبر إبقاء كل الخيارات مفتوحة. لذلك يصعب تحديد استراتيجيته بدقة.
ترامب، الذي منح إيران مهلات متناقضة (مرة خمسة أيام ومرة عشرة أيام) في إطار البحث عن اتفاق تهدئة، قد يثبت فعلاً صحة من يقول إنه يجهّز لعملية عسكرية ضد جزيرة خرج. ومن جهة أخرى، قد يتخلى عن هدف فتح هرمز للتجارة الدولية، ويقبل بتحصيل إيران رسوم عبور، ثم يقدّم ذلك كإنجاز تاريخي. أو قد يعلن فجأة انسحاب القوات الأميركية من الحرب محمّلًا نتنياهو وكوشنر وويتكوف مسؤولية «التضليل».
هذا النمط القيادي بات مألوفًا، لكن تحوله إلى نقطة ضعف في مواجهة دولة تعتبر نفسها في حرب وجودية مثل إيران أمر مرجح جدًا.
في بداية الحرب، كان ترامب يعتقد أن إخضاع إيران خلال أربعة إلى ستة أسابيع هدف واقعي. كما بدا أن إدارته لم تعطِ أهمية كبيرة لقدرة إيران على إغلاق هرمز، وافترضت أن ضرب القيادات الإيرانية سيؤدي إلى الاستسلام. لكن هذا التقدير فشل بوضوح، وأصبح خروج ترامب من المأزق أكثر صعوبة بسبب تحركات إسرائيل.
إسرائيل، التي أزالت شخصيات إيرانية كان ترامب يأمل التفاوض معها مثل لاريجاني، تعمل على إبقاء الولايات المتحدة في حرب مفتوحة. وبينما قد يضطر ترامب في مرحلة ما إلى كبح نتنياهو كما فعل في غزة، فإن الأمر مع إيران يبدو أكثر تعقيدًا.
وقد أدى القضاء على القيادات السياسية والدينية الإيرانية إلى تعزيز سيطرة «الحرس الثوري» بدل إضعاف النظام، بل وربما ضمان استمراره. وهكذا، بدل إسقاط النظام، وجد ترامب نفسه يرسّخ بقاءه ويبدو مستعدًا لقبول سيطرة إيران على هرمز. بل إن الحرس الثوري بات يدرس خيارًا نوويًا لضمان أمن النظام بشكل نهائي.
في النهاية، يتضح أن نتائج الحرب غير المتوقعة لا تتطابق مع الأهداف الأولية، وأن حسابات الطرفين بُنيت على افتراضات خاطئة بشأن ردود فعل الآخر. وهذا لا يترك سوى خيار واحد واقعي: أن يتراجع أحد الطرفين خطوة إلى الوراء.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة