الغضب

08:4631/08/2025, الأحد
تحديث: 31/08/2025, الأحد
نيدرت إيرسانال

بينما نسعى جاهدين لإيقاف الإبادة الجماعية الإسرائيلية على الفور، تُعقد اجتماعات في البيت الأبيض حول "مستقبل غزة" بحضور جاريد كوشنر وتوني بلير. (نقلاً عن أكسيوس، 27/08، "توني بلير وجاريد كوشنر يُطلعان ترامب على خطط ما بعد الحرب في غزة"). ويتضح من كلمة "ما بعد" أنهم يقصدون بعد أن تنتهي إسرائيل من تصفية القضية الفلسطينية، عبر تهجير الناس أو قتلهم، ومن ثم ضم أراضٍ جديدة لإسرائيل. ثقوا تماما أن اجتماعات من هذا النوع تجمع كوشنر وبلير وديرمر (وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي) وغيرهم، ليست سوى نذير

بينما نسعى جاهدين لإيقاف الإبادة الجماعية الإسرائيلية على الفور، تُعقد اجتماعات في البيت الأبيض حول "مستقبل غزة" بحضور جاريد كوشنر وتوني بلير. (نقلاً عن أكسيوس، 27/08، "توني بلير وجاريد كوشنر يُطلعان ترامب على خطط ما بعد الحرب في غزة"). ويتضح من كلمة "ما بعد" أنهم يقصدون بعد أن تنتهي إسرائيل من تصفية القضية الفلسطينية، عبر تهجير الناس أو قتلهم، ومن ثم ضم أراضٍ جديدة لإسرائيل.

ثقوا تماما أن اجتماعات من هذا النوع تجمع كوشنر وبلير وديرمر (وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي) وغيرهم، ليست سوى نذير شؤم. وكأن ما تشهده المنطقة من خراب ودمار وفوضى لا يكفي، حتى تعود غربان النهب القادمة من العراق وإدارة ترامب الأولى، لتحوم من جديد..

لا شك أن هناك من يذكر الدور الذي لعبه توني بلير في تبرير الأكاذيب الأمريكية لغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، ثم أطاح البريطانيون بحكومته. حتى إنه لفترة لم يكن يستطيع الخروج إلى الشارع. وفي عام 2016 صدر "تقرير شيلكوت" الذي فحص سياسة بلير في العراق. ذلك التقرير قضى على سمعته وإرثه السياسي حيث أكد أنه "لم تكن هناك حاجة إلى الحرب"، وأن "بلير تصرف بخضوع وولاء مفرط للولايات المتحدة".

وها هو الآن يتولى مشروع "ريفييرا فلسطين". يا له من عار. أما عن كوشنر، ووالده، ودوره في الشرق الأوسط خلال إدارة ترامب الأولى، فالجميع يعرفون قصته... إن اجتماع هؤلاء دليل على أن إسرائيل ستواصل ظلمها لفلسطين، وهو ما سيؤثر على طبيعة الدولة والمنطقة وحتى الشرق الأوسط الذي سينشأ في أعقاب ذلك.

وتكمن الإشكالية هنا في موقف الحكومة البريطانية: فوفق التصريحات الرسمية، يبدو أن لندن تضغط على إسرائيل في الآونة الأخيرة وتطالب بحل للقضية الفلسطينية. ومدى صدقها مسألة أخرى. إلا أن واقع الحال يكشف تناقضًا جوهريًا: فإذا كانت العلاقات بين تل أبيب ولندن متوترة، فمن يمثل بلير إذًا؟

البريطانيون غير متوافقين أيضًا مع إدارة ترامب في هذا الشأن، تمامًا كما هو الحال في أوكرانيا. وهذا يقودنا إلى التنافس في ديناميكيات الاقتصاد العالمي. فكما يوجد تكتل سياسي بين التيارات "البايدنية" في أوروبا وإنجلترا مع نظيراتها في الولايات المتحدة، فإن لترامب وتياره كذلك شبكات في أوروبا وإنجلترا. وهذه الانقسامات تترك بصمتها في معركة الاقتصاد والمال داخل النظام العالمي الجديد. لا يقتصر هذا الصراع في جوهره على إسرائيل وفلسطين، بل يشمل جميع النزاعات، بما في ذلك أوكرانيا وصولًا إلى الصين.

ولا داعي للخوض في التفاصيل، ولكن أصل كل الحروب والانقسامات الحالية هو اتجاه المال الجديد وطبيعته. وهذا أيضًا أساس ضغوط الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب.

لنركز على قضيتنا العاجلة: لقد قام وزير الخارجية هاكان فيدان تحديثًا بتحديث موقف تركيا من آخر التطورات المتعلقة بالإبادة الجماعية الإسرائيلية.

بعد أن حللت أنقرة ما تريده إسرائيل، توصلت إلى قناعة واضحة وبسي\ة: "إنها تتوسع وتسعى للاحتلال". ثم وضعت هذا الاستنتاج في سياقه الإقليمي والعالمي.

وهناك نقطة مثيرة للاهتمام؛ فرغم أن تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، لكنها الآن لم تعد "ضمن الحدود التي اعترفت بها". فماذا يعني هذا؟

وفقا للوزير فيدان، فإن الدول العربية تشهد صحوة، وكما أشار ضمناً، فإن الانتقادات الموجهة للدول العربية بشأن إسرائيل لا تنصفها تماماً. فالعديد من الدول العربية تتبنى سياسات مناهضة لإسرائيل بحق. وسواء منت ترى صحة ذلك أم لا، فهذه مسألة أخرى. لكن السبب الرئيسي لعدم الوصول إلى المستوى المثالي في مواجهة إسرائيل ليس هذه الدول، بل الولايات المتحدة وعلاقاتها بهذه الدول. وهذا جزء من “الصحوة” التي تحدث عنها.

لذلك، عند دراسة موقف العرب تجاه مسألة إسرائيل، لا بد من إجراء دراسة دقيقة وشاملة للأرضية الجيوسياسية؛ أي، أن على هذه الدول، بما فيها تركيا، ممارسة الضغط على واشنطن لا على تل أبيب. فالجهة الحاسمة هي أمريكا، وإن كانت الولايات المتحدة تستعين أحياناً بالدول العربية لممارسة الضغط على إسرائيل.

(سيستذكر البعض اقتراحنا السابق حول الوسيلة البديلة والقوية لوقف إسرائيل، والذي أوردناه في مقالنا بتاريخ 24/08 بعنوان "إسرائيل لا يردعها إلا القوة.. فما هي هذه القوة وكيف يتم توظيفها؟". والأمر نفسه ينطبق على قضية سوريا و "قسد/واي بيجي" الإرهابي، وهو حل سريع وفعال).

الديناميكيات العالمية ملائمة، والديناميكيات الإقليمية ترغب في التوافق معها، لأن الاتجاهات الداخلية أيضًا تسير في هذا الاتجاه. وهذا ما يسمى بـ الصحوة. ولكن حين يتعلق الأمر بإسرائيل، يصبح الوقت عاملاً حاسماً، فمن الصعب أن تأتي هذه الصحوات بفائدة فورية للضحايا الذين يُقتلون في كل دقيقة. لذلك، يصبح التحرك غير المتماثل ضرورة ملحة.

دعونا نلقي نظرة على تصريحات الوزير فيدان انطلاقاً من سوريا ووصولًا إلى العلاقات بين إسرائيل وتنظيم "بي كي كي/واي بي جي" الإرهابي. فقوله "عندما يواجه إخواننا من الأكراد والعرب والتركمان وغيرهم من الشعوب خارج حدودنا مشكلة، فإن واجبنا التاريخي هو التدخل للمساعدة، وأن نكون قوة تحفظ النظام والأمن والاستقرار." هو امتداد فكري لتصريح الرئيس أردوغان الذي ذكر فيه "القلم، والكلمة، والسيف".

والرسالة التي يجب أن يستخلصها التنظيم الإرهابي وإسرائيل من هذا الكلام هي في الواقع ثانوية. فالمخاطب الرئيسي هنا هو الولايات المتحدة. ولا تزال مسألة ما إذا كان هناك تغيير في نهج واشنطن تجاه سوريا غير محسومة. فكلمات السفير باراك المتكررة حول "صيغة فيدرالية أقل حدة" لم تُصحح بعد. بل يبدو أن أعصابه بدأت تنهار، وهو ما يظهر في استخدامه عبارات "حيوانية" في مؤتمر صحفي. فالدبلوماسيون المحترفون ذوو الخبرة لا يقعون في هذا الخطأ، وخاصةً دبلوماسيٌّ تعود أصوله إلى الشرق الأوسط

وقد واجه خطاب الوزير فيدان النقدي للاستعمار والإمبريالية ومن يعتمدون عليهما في سوريا والمنطقة رد فعل فوريًا من أحد أحزاب المعارضة، الذي وصف كلامه بـ "ثرثرة فارغة". بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فوصفوا دعوة "التوجه نحو دمشق وأنقرة" بأنها "تبعية للخارج". وهذا يعني أنهم يتهمون تركيا بالاستعمار والإمبريالية، إنهم لا يميزون بين الصواب والخطأ.

فالنماذج القائمة على الأقليات هي نماذج عميلة. والاعتماد على الإمبرياليين يعني التبعية للخارج. ويعني عدم الارتباط بأرض الوطن. ويعني فتح المجال للأطراف الخارجية بدلاً من الوحدة والتماسك. وعندما يصبح البلد تابعًا للخارج، يصبح عرضه للبيع. وهذا بالضبط ما يحدث مع التنظيمات في سوريا، وما تفعله بعض الأقليات، وما ترغب به إسرائيل.. فعندما تصف هذا بـ "الثرثرة الفارغة"، ماذا يكون موقفك؟


#الاحتلال الإسرائيلي
#الدول العربية
#غزة
#فلسطين
#تركيا
#أردوغان
#فيدان
#دمشق
#الإرهاب
#أمريكا