إن المؤتمر الذي عقد في إسطنبول في الأسبوع الماضي تحت عنوان " غزة.. إسلامية وإنسانية" بمشاركة أكثر من 150عالما من 50 دولة إسلامية، أعاد إلى الواجهة الدور الذي يلعبه العلماء أو يُتوقع منهم أن يلعبوه في حياة المجتمعات المسلمة. وقد تطرقت في مقالي السابق إلى بعض الانتقادات الموجهة لهذا المؤتمر والردود المحتملة عليها. أما اليوم، فأود الإشارة إلى بعض النقاط في سياق الإجابة عن سؤال: "كيف يحافظ العلماء على هيبتهم ووقارهم،"، ذلك أن الحفاظ على الهيبة والوقار يعد شرطًا أساسيًا لتكون أقوالهم مؤثرة ويتمكنوا من قيادة الناس. إذ بدون الهيبة والوقار، لا يُرتجى للكلام أن يبلغ أثره في نفوس مخاطبيه.
هناك العديد من الشروط بالطبع، ولكن يمكننا الاتفاق على تسع نقاط رئيسية:
• أن يكون العالم عاملًا بعلمه، ومستقيمًا في أسلوب حياته ونهجه.
• أن يكون قادرًا على التواصل والتفاعل مع جميع مكونات العالم الإسلامي.
• أن يحافظ على وعيه السياسي، مع مراعاة التوازن في علاقاته بالمؤسسات السياسية.
• أن يكون له دخل مستقل، أو مصدر رزق خاص، أو داعم، بحيث لا يضطر للجوء إلى الآخرين لتأمين معيشته، خصوصًا طلابه،.
• ألا ينجرف نحو التطرف، وأن يبقى على صلة بالواقع الاجتماعي.
• أن يهتم بالقضايا المعاصرة، ولكن دون أن يقع أسيرًا لها.
• أن يكون لديه نهج خاص به، وأهداف، وخارطة طريق واضحة.
• ألا ينسى أن مهمته الأساسية هي إرشاد الناس وترك أثر دائم.
• ألا ينخرط بشكل مفرط مع العامة، وأن يستخدم التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي باعتدال.
ولو تأمّلنا في محيطنا، لرأينا أنّ كل من يتصف بالكلمة المؤثرة، والهيبة التي تنعكس على ملامحه، والقدرة على توجيه حياة الناس، ومن يكون منارة في أوقات الأزمات، ويحظى بالاحترام، والتأثير في مسار المجتمع، بحيث تصغي إليه الآذان عند حديثه، وتُسطَّر عباراته وتُقرأ بتأنٍ، ويُستشفّ المعنى حتى من صمته، نجد أن جميعهم يمتلكون الصفات المذكورة آنفاً.
وبالطبع، هناك العديد من الأمثلة على النقيض؛ من لا يمتلك اتزانًا في حياته وينجرف باستمرار نحو التطرف وينعزل عن الواقع الاجتماعي، وليس له أجندة ولا خريطة طريق خاصة به فيتشكل حسب المستجدات العابرة، وتتشكل تصرفاته وردود فعله بناءً على الأحداث اليومية الساخنة، ومن يضيع تأثير كلامه بسبب انخراطه المفرط بالعامة ليل نهار، ومن ويهدر وقته على وسائل التواصل الاجتماعي فلا يجد وقتا لإرشاد الناس أو ترك أثر دائم.
عندما نتحدث عن «العالم»، فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا كمسلمين، وما نحتاجه حقًا، هم أولئك الذين ينتمون إلى الفئة الأولى من العلماء. أما الفئة الثانية فلا يمكن وصفهم إلا بأنهم مجرد "مشاهير على وسائل التواصل الاجتماعي".
إن جميع الأزمات التي يواجهها العالم الإسلامي تتحول إلى اختبارات، ليس فقط لصناع القرار السياسي، بل أيضًا لطبقة العلماء. ومن أبرز أجزاء هذا الاختبار: عدم إخفاء الحق والحقيقة، والقدرة على الجهر بالأخطاء، مع الالتزام بالإنصاف والعدل، وتوجيه الحماس والغضب بأفضل الأساليب، وتحمل مسؤولية ما يُقال، وتوجيه الناس دون الوقوع في فخ الأجندات الشخصية.
ومن أهم الواجبات التي تفرضها علينا الظروف الحالية في فلسطين وغزة، هي زيادة عدد العلماء العاملين بعلمهم، والذين يمتلكون تأثيرًا كبيرًا في أقوالهم. فالتشتت الفكري، والارتباك في الأفعال، والتناقضات في النتائج التي نراها اليوم، كلها ناتجة عن النقص الكمي والنوعي في العلماء الذين يمثلون قادة رأي حقيقيين. علينا أن نعمل على زيادة النماذج الإيجابية، ومعالجة القصور، والتركيز على المؤسساتية من أجل استمرار الخير للأجيال القادمة.
لقد قدَّم أكثر من 150 عالمًا، اجتمعوا في إسطنبول في مؤتمر «غزة.. مسؤولية إسلامية وإنسانية»، جهودًا بارزة ونموذجًا يحتذى به في هذا الإطار. ندعو الله ونتطلع إلى أن يتكرر هذا اللقاء في مكة المكرمة، والقاهرة، ودمشق، وبغداد، وسراييفو، والرباط، وطشقند، وغيرها من المدن المركزية، وبمشاركات أوسع.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة