من جامع آيا صوفيا.. علماء المسلمين يوجهون رسائلهم للعالم أجمع

08:1229/08/2025, الجمعة
تحديث: 29/08/2025, الجمعة
ياسين اكتاي

تستضيف جزيرة الديمقراطية والحرية منذ أسبوع مؤتمرا بالغ الأهمية؛ حيث يعقد 150عالما مسلما من 50 دولة، اجتماعات تشاورية مكثفة على مدار اليوم تحت عنوان "غزة.. مسؤولية إسلامية وإنسانية"، بتنظيم من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ـ الذي ينتمي معظم العلماء المشاركين إليه ـ ووقف علماء الإسلام في تركيا برئاسة الأستاذ الدكتور نصر الله حاجي مفتي أوغلو. ويعد انعقاد هذه المباحثات حول غزة في جزيرة الديمقراطية والحرية حدثا كبيرا بحد ذاته ويحمل دلالات عميقة. فهذه الجزيرة كانت ذات يوم مسرحًا دُفعت فيه أثمان باهظة

تستضيف جزيرة الديمقراطية والحرية منذ أسبوع مؤتمرا بالغ الأهمية؛ حيث يعقد 150عالما مسلما من 50 دولة، اجتماعات تشاورية مكثفة على مدار اليوم تحت عنوان "غزة.. مسؤولية إسلامية وإنسانية"، بتنظيم من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ـ الذي ينتمي معظم العلماء المشاركين إليه ـ ووقف علماء الإسلام في تركيا برئاسة الأستاذ الدكتور نصر الله حاجي مفتي أوغلو. ويعد انعقاد هذه المباحثات حول غزة في جزيرة الديمقراطية والحرية حدثا كبيرا بحد ذاته ويحمل دلالات عميقة.

فهذه الجزيرة كانت ذات يوم مسرحًا دُفعت فيه أثمان باهظة ومأساوية في سبيل الحرية، كما شهدت في الماضي أدنى مستويات الانحطاط البشري. واليوم، تتحول هذه الجزيرة إلى منبر يحتضن خطابات العلماء الحكيمة والملهمة من أجل الحرية، ودعواتهم الصادقة بشأن غزة، التي ترتكب فيها أبشع الجرائم بحق الإنسانية،.

ورداً على بعض الأصوات الجاهلة التي تعالت عقب الإعلان عن هذا الاجتماع، لا بد أن نوضح أولا أن هذه الجزيرة أُعيد تصميمها بالكامل منذ فترة، لتصبح شاهدًا حيًّا على مقاومة أعداء الإنسانية والحرية الذين حكموا سابقا، ولتحيي ذكرى كرامة الإنسان وتخلّدها. لقد تحولت الجزيرة إلى متحف للحرية، وأُنشئ فيها فندق ومركز مؤتمرات جميل، ينبغي على الناس زيارة هذا المكان ليشهدوا قصة عميقة الدلالة عن إحدى رحلات الإنسان من الحضيض إلى ذروة الكرامة الإنسانية.

هذا المكان ليس وجهة سياحية، ولا يُقصد للترفيه أو الاستجمام. ولعل الفرق بينه وبين مراكز المؤتمرات الأخرى هو أن الحاضرين يركزون بشكل كامل على هدفهم، إذ لا يوجد ما يشتت انتباههم. فهو ليس منتجعًا لقضاء العطلات أو الترفيه؛ ورغم أنه جزيرة، لا يوجد فيه شاطئ للسباحة، ولا أماكن للتسوق. ومن هذه الناحية يعتبر مركزًا مثاليًا مخصصًا لمن يهدفون إلى تحقيق أقصى استفادة من الاجتماعات والمشاورات.

وقد أمضى العلماء المسلمون أسبوعاً كاملاً في رحاب هذه الجزيرة، مستغرقين في نقاشات معمقة حول قضية غزة؛ فقد عاشوا مع آلامها صباحاً ومساءً، وكرّسوا جلّ جهودهم للتفكير في سبل نصرتها. غير أنّ النقاشات لم تقتصر على غزة وحدها، بل شملت أيضاً وضع الأمة الإسلامية ودور العلماء فيها، والإمكانيات المتاحة لهم. ومن ثمّ، شكّل الحديث عن غزة فرصة لمراجعة الذات والنظر في المرآة، تماماً كما يحدث في مختلف بقاع العالم.

لقد أصبحت غزة، بما تتعرض له من إبادة جماعية منذ 700 يوم، وبما تظهره من مقاومة شامخة ونبيلة، وبما يظهره العالم من عجز تجاهها، بمثابة مرآة لنا جميعًا.

ويستمر المشهد بثلاثة أبعاد متوازية منذ 700 يوم: يواصل الكيان الإسرائيلي الصهيوني العنصري ومرتكب الإبادة، فعل ما يليق به، بينما يستمر من يقدمون له الدعم اللامحدود في دعمهم. وفي الوقت الذي يقدم فيه النظام الصهيوني العالمي دعمه لإسرائيل، تتجلى خيانة القادة العرب يومًا بعد يوم بشكل أوضح. وعلى الضفة الأخرى، يواصل أهل غزة مقاومتهم ببسالة، وتواصل الشعوب التي تتألم بحرقة ولا يسعها السكوت عن هذا الظلم، بذل قصارى جهدها لوقفه.

إن عبارة "بذل قصارى الجهد" تُعَدّ كلمة مفتاحية في هذه القضايا بلا شك. ولكن حين يُبذل فوق الوسع ولا يتوقف الظلم، تبدأ الأحاديث بالهمس بأنه لا جدوى من تلك الجهود. ومن نافلة القول بيان مدى خطورة هذه الحالة النفسية بقدر ما هي غير ضرورية. فعدم بلوغ الجهود حتى الآن النتائج النهائية، لا يعني بحال أنّها كانت بلا أثر أو بلا قيمة. إذ يقول ربنا جلّ وعلا: «إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون».

في الواقع، ونتيجة للجهود المبذولة حتى الآن، باتت إسرائيل والنظام الذي يدعمها على شفا هزيمة تاريخية. فإسرائيل تسير بخطى سريعة نحو نهايتها. إن الانتقادات والاحتجاجات والمقاطعات التي تواجهها إسرائيل في جميع أنحاء العالم، في مجالات الإعلام والسياسة والأوساط الأكاديمية والثقافية، تُظهر كيف تم اختراق القباب الحديدية التي بنتها إسرائيل بعناية. لقد أصبحت غزة وفلسطين اليوم كلمتين مفتاحيتين لكل خطاب نقدي موجّه إلى النظام العالمي المهيمن، بل إنّ الحركات اليسارية العالمية نفسها وجدت في غزة مصدر إلهام جديد في مواجهتها لنظام الاستغلال السائد. وهكذا، يمكن القول إنّ إسرائيل تتجه بسرعة متزايدة نحو عزلة غير مسبوقة على الصعيد الدولي.

هذا الكلام موجه بالدرجة الأولى إلى أولئك الذين يحاولون تصوير الجهود المبذولة ضد الإبادة المأساوية في غزة كأنها بلا معنى. ولا يعني ذلك أنّ هذه التحركات تكفي وحدها لوقف آلة القتل الإسرائيلية، فهذا واقع لا ينبغي تجاهله.

وقد يكون مؤتمر العلماء المسلمين في "جزيرة الديمقراطية والحرية" فعالية من بين فعاليات كثيرة أُقيمت نصرة لغزّة، لكن النظرة التي تستخف بهذه المبادرات، إنما هي تعبير عن خطاب ساخر متهكّم، تُقلّل من قيمة أي جهد مبذول، وتشوّه صورته. ومثل هذا الخطاب لا يفضي إلا إلى شلّ الإرادة، وإطفاء الحماسة، ودفع الناس إلى العجز والجمود، حتى ينتهي بهم المطاف إلى حيث تريد إسرائيل وحكومتها.

هناك نوع غريب من اللغة النقدية يصل حتى إلى أقرب الناس إلينا، فيقولون مثلاً: «هل خطر ببالهم الآن فجأة بعد كل هذا الوقت؟» أو «ماذا سيفعلون لغزة وهم يتحدثون في الفنادق؟» أو «العلماء بعيدون جدًا عن الواقع».

أولًا: هذا ليس أول اجتماع أو نشاط يقوم به الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من أجل غزة، بل هو واحد من سلسلة فعاليات أخرى. فمنذ اليوم الأول، وعلماء الدين يتألمون ويسعون لفعل أي شيء لنصرة غزة.

ثانيًا: إن نصرة غزة ليست حكرًا على طرف دون آخر، فالجميع قادر على أن يقوم بدور ما، ولا ينبغي الاستهانة بأي جهد مهما بدا صغيرًا. لقد مرّ أكثر من سبعمئة يوم، والمجاهدون هناك لا يزالون صامدين، يدفعون بأرواحهم وأموالهم أثمانا باهظة. ولكن هم أنفسهم يطلبون من الجميع، في كل مكان، أن يبذلوا قصارى جهدهم، لذا لا ينبغي لأحد أن يلتفت إلى عبارات التثبيط من قبيل: "افعل هذا بدلاً من ذاك"، بل الواجب على كل فرد أن يبذل أقصى ما بوسعه حيثما كان.

إن ما يقوم به العلماء اليوم هو واجب عظيم، لا يستطيع القيام به سواهم. ومن خلال قيامهم بذلك، فإنهم يكملون حلقة مفقودة في العالم الإسلامي.

ثالثًا: كل واحد من هؤلاء العلماء له سيرة شخصية زاخرة بالنضال والتضحيات، ودفع ثمنًا باهظًا في سبيل الحق. كثيرون منهم سُجنوا من أجل قضيتهم، وفقدوا أحباءهم، واضطر بعضهم إلى العيش خارج بلادهم. هؤلاء ليسوا من "علماء السلطة"، ولكل واحد منهم قاعدة شعبية واسعة، ومتابعين ومحبين.

واليوم، بعد أسبوع من المداولات والمشاورات، سيُعلن هؤلاء العلماء نتائج اجتماعهم وتوصياتهم إلى الأمة الإسلامية وشعوبها وقادتها، وإلى العالم أجمع، عقب صلاة الجمعة في جامع آيا صوفيا.

إن الرسالة الأبلغ التي ستصل إلى الدنيا كلها، حتى لو لم يتحقق أي شيء آخر هي: أن للأمة الإسلامية علماء، وإن لهؤلاء العلماء كلمة مسموعة وموقفًا حاضرًا.


#جامع آيا صوفيا
#علماء المسلمين
#غزة
#القضية الفلسطينية
#تركيا
#جزيرة الديمقراطية والحرية
#مؤتمر