هدنة على الورق.. غزة ما زالت تحترق

11:0129/04/2026, الأربعاء
تحديث: 30/04/2026, الخميس
ياسين اكتاي

مرّ مئتا يوم على التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بين قوات الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس، والذي جاء بعد جولات من الاشتباكات. وخلال هذه الفترة توقفت المواجهات المباشرة بين الطرفين، إلا أن الاتفاق لم يوقف إطلاقات العدوان الإسرائيلي، وكأن وقف إطلاق النار يعني عمليًا تجريد طرف واحد من السلاح وإلزامه بعدم الرد على الاعتداءات. حصيلة محدثة للإبادة المستمرة في غزة بحسب البيانات الأخيرة الصادرة في 26 نيسان/أبريل 2026 عن التقارير الميدانية اليومية لـ«المركز الفلسطيني للدبلوماسية»، فقد بلغ عدد خروقات

مرّ مئتا يوم على التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بين قوات الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس، والذي جاء بعد جولات من الاشتباكات. وخلال هذه الفترة توقفت المواجهات المباشرة بين الطرفين، إلا أن الاتفاق لم يوقف إطلاقات العدوان الإسرائيلي، وكأن وقف إطلاق النار يعني عمليًا تجريد طرف واحد من السلاح وإلزامه بعدم الرد على الاعتداءات.

حصيلة محدثة للإبادة المستمرة في غزة


بحسب البيانات الأخيرة الصادرة في 26 نيسان/أبريل 2026 عن التقارير الميدانية اليومية لـ«المركز الفلسطيني للدبلوماسية»، فقد بلغ عدد خروقات إسرائيل للاتفاق منذ دخوله حيز التنفيذ 2604 خروقات، أي بمعدل 13.2 خرقًا يوميًا، أي ما يقارب خرقًا جديدًا كل ساعتين. وكأن الجانب الوحيد الملتزم في هذا الاتفاق هو انتظام الخروقات نفسها.


هذه الخروقات ليست أرقامًا تقنية أو دبلوماسية، بل تعني عمليًا: هدم منزل، إصابة طفل، مقتل أم، أو استيقاظ حيّ كامل على الخوف من جديد. ووفق التقرير، ارتفع عدد القتلى منذ بدء وقف إطلاق النار إلى 817 شخصًا، بينهم 213 طفلًا، و90 امرأة، و23 مسنًا. أي إن 39.9% من الضحايا هم من الأطفال والنساء وكبار السن. بلغة الحرب يُقال «خسائر مدنية»، أما بلغة الإنسان فهي إبادة منهجية لحيواتٍ بلا حماية.


أما عدد الجرحى فقد بلغ 2296 جريحًا، من بينهم 648 طفلًا، و414 امرأة، و109 مسنين، أي أن أكثر من 51% من الجرحى ينتمون إلى الفئات الأكثر هشاشة. ويعكس هذا بوضوح أن الاستهداف لا يقتصر على المقاتلين، بل يطال المجتمع الغزّي نفسه، لأن مستقبل أي مجتمع يقوم على أطفاله، وصموده على نسائه، وذاكرته على كبار سنه.


طبيعة الخروقات: حرب بلا توقف


تتفاقم خطورة المشهد مع طبيعة هذه الانتهاكات. فقد سُجل خلال فترة الهدنة 1027 عملية إطلاق نار مباشر، و1188 غارة جوية أو قصف مدفعي، إضافة إلى 286 عملية هدم منازل.


هذه ليست حوادث أمنية متفرقة، بل نمط عسكري متواصل من الضغط. ففي يوم واحد فقط، سُجلت عمليات قصف وإطلاق نار وغارات وهدم مبانٍ في خان يونس، مدينة غزة، البريج، جباليا وشمال غزة. وكأن الدبابات والطائرات المسيّرة لم تغادر المشهد أصلًا، بل أصبحت جزءًا من “الروتين اليومي” لوقف إطلاق النار.


في غزة: الموت لا يأتي فقط من القصف


لكن الموت في غزة لا يأتي من القنابل وحدها. أحيانًا يكون منع دخول شاحنة سببًا كافيًا للموت.


فبحسب الاتفاق، يُفترض دخول 600 شاحنة مساعدات يوميًا، بينها 50 شاحنة وقود، إلا أن ما وصل فعليًا لا يتجاوز 37.4%. أما الوقود فالنسبة لا تتعدى 14.7%. وهذه الأرقام لا تعكس مجرد نقص في المساعدات، بل تشير إلى عرقلة ممنهجة لها.


والنتيجة: مستشفيات بلا كهرباء، أحياء بلا مياه، شبكات صرف صحي متوقفة، وعمليات إزالة أنقاض مشلولة. هذه كلها أشكال حديثة من «السلاح غير المرئي».


أما معبر رفح فالوضع لا يختلف كثيرًا؛ إذ تم تقييد الحركة بإجراءات تعسفية، ولم يُنفذ سوى 3922 من أصل 12,800 حركة مخططة، بنسبة التزام 30.6%. وفي غزة، أحيانًا يقتل الرصاص، وأحيانًا يقتل الانتظار.


انتهاكات أوسع واتفاق منتهك


يُضيف التقرير أن هناك انتهاكات أعمق لم تُحل، مثل خرق خطوط الانسحاب المتفق عليها، والسيطرة المسلحة على نحو 34 كيلومترًا مربعًا خارج الاتفاق، ومنع إصلاح البنية التحتية، وعرقلة دخول المعدات الثقيلة، وسوء معاملة المعتقلين والتعذيب، إضافة إلى الغموض حول مصير المفقودين. وهذه ليست مجرد خروقات لوقف إطلاق النار، بل انتهاكات صريحة للقانون الدولي الإنساني.


ويصبح من الضروري هنا دقة اختيار الكلمات، لأن بعض المصطلحات تُخفي الحقيقة بدل أن تكشفها. فـ«اشتباك» قد يُخفي عدم تكافؤ القوة، و«خروقات» قد تُخفف من حجم الجريمة. أما ما يجري في غزة فهو ليس مجرد انتهاك لوقف إطلاق النار، بل سياسة إبادة طويلة الأمد تستهدف تدمير قدرة شعب على الحياة. إنها حرب على الوجود نفسه، لا على المقاتلين فقط.


أرقام ليست مجرد أرقام


غالبًا ما يكتفي النظام الدولي بتسجيل الأرقام دون مساءلة الضمير، رغم أن هذه الأرقام ليست إحصاءات، بل مصائر بشرية:


213 طفلًا ليسوا رقمًا، بل 213 حياة لم تكتمل

286 منزلًا مدمّرًا ليست مجرد مبانٍ، بل ذاكرات محطمة

14.7% من الوقود تعني مستشفيات تعمل في العتمة

غزة اليوم: الحاجة إلى الدعم لا إلى التراجع


في غزة، وبعد 200 يوم من وقف إطلاق النار، يتضح أن السكان، رغم توقفهم عن الرد العسكري، ما زالوا يتعرضون لهجمات متواصلة، في حين تستمر إسرائيل في استهداف منطقة أُعلنت “محمية من القتال”.


والأسوأ أن موجة التضامن والمساعدات التي رافقت الحرب بدأت تتراجع مع إعلان الهدنة، وكأن كثيرين افترضوا أن الأزمة انتهت. بينما الحقيقة أن الحاجة اليوم أكبر بكثير، خاصة في مرحلة إعادة الإعمار.


إسرائيل تسعى لإبقاء سكان غزة في الجنوب (رفح)، بينما تدفع نحو ترسيخ سيطرتها الفعلية على الشمال. لكن السكان يصرّون على العودة إلى الشمال، إدراكًا منهم لطبيعة هذا التهجير. غير أن عودة الشمال المدمّر تحتاج إلى دعم هائل لإعادة بناء البنية التحتية، وهو دعم يتجاوز الإغاثة الإنسانية إلى كونه دعمًا لصمود شعب وكرامته.


لقد واجه أهل غزة، وحدهم تقريبًا، نظامًا عالميًا قاسيًا ودمويًا، ودفعوا ثمنًا باهظًا باسم الإنسانية جمعاء. وما قاموا به لا يكفّر عن ذنوب أحد، لكنه يضع أمامنا مسؤولية أخلاقية لا يمكن تجاهلها: ألا نتوقف عن دعم غزة، لا بالمال فقط، بل بالكلمة والموقف والدعاء أيضًا.

#اتفاق غزة
#الإبادة بغزة
#إسرائيل الإبادة الجماعية
#الجوع في غزة
#رفح