
الجدل يعود مجدداً حول القضية الفلسطينية، مع تصاعد الدعوات لأن تحمل المنتخبات المشاركة في كأس العالم 2026 رموزاً تعبّر عن التضامن مع الشعب الفلسطيني.
سيرنور ياسيكايا، مدير قسم الشؤون الخارجية في صحيفة "يني شفق"
تُواصِل كرة القدم في العصر الحديث ترسيخ مكانتها بوصفها اللغة المشتركة الأكبر بين شعوب العالم، فيما تبقى بطولة كأس العالم المسرح الأوسع الذي يجمع مليارات البشر حول مشاعر واحدة ولحظات إنسانية عابرة للحدود. وعلى امتداد التاريخ، لم تكن كرة القدم مجرد منافسة رياضية، بل تحوّلت أيضاً إلى منصة للرسائل السياسية والإنسانية، من حملات مناهضة العنصرية إلى الدعوات المناهضة للحروب، ومن الدفاع عن حقوق اللاجئين إلى التنديد بالتمييز.
واليوم، يعود الجدل مجدداً حول القضية الفلسطينية، مع تصاعد الدعوات لأن تحمل المنتخبات المشاركة في كأس العالم 2026 رموزاً تعبّر عن التضامن مع الشعب الفلسطيني. ففي الأشهر والسنوات الأخيرة، عبّر مدربون ولاعبون عالميون، من بينهم بيب غوارديولا، إضافة إلى جماهير ملأت المدرجات، عن تضامنهم مع الفلسطينيين ورفضهم للحرب والإبادة في غزة.
“العالم يشهد إبادة”
يشهد الرأي العام الغربي اليوم تحولاً ملحوظاً في نظرته إلى ما يحدث في غزة، في ظل الدمار الإنساني الواسع الذي خلّفته الحرب منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتشرّد الملايين، فيما وثّقت منظمات أممية وحقوقية حجم الكارثة الإنسانية، ورفعت دول ومحامون دعاوى تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية أمام المحاكم الدولية.
ورغم الضغوط السياسية والإعلامية، تتزايد يوماً بعد آخر مساحة التعاطف العالمي مع الفلسطينيين، لتتحول القضية من شأن إقليمي إلى قضية رأي عام عالمي.
“رسالة إلى الأجيال الجديدة”
وفي هذا السياق، يمكن لكأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، أن تتحول إلى منصة أخلاقية وإنسانية، لا مجرد حدث رياضي. فالنسخة المقبلة ستكون الأكبر في تاريخ البطولة، بمشاركة 48 منتخباً، ومتابعة جماهيرية تُقدَّر بالمليارات.
ويرى أصحاب هذه الدعوات أن ظهور رموز تضامن بسيطة، مثل شارات الأذرع، قد يحمل أثراً إنسانياً كبيراً، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة. فشارات القادة في كرة القدم لم تعد مجرد رمز للقيادة داخل الملعب، بل أصبحت أحياناً تعبيراً عن القيم والمواقف الإنسانية، كما حدث سابقاً في حملات “لا للعنصرية” ورسائل التضامن مع ضحايا الحروب والكوارث.
ويشير الطرح إلى أن بعض الدول الأوروبية حاولت خلال مونديال قطر 2022 فرض رسائل مرتبطة بقضايا الهوية الجنسية عبر شارات خاصة، ما يفتح الباب – بحسب أنصار الفكرة – أمام حضور رسائل إنسانية مرتبطة بالقضية الفلسطينية، باعتبارها قضية تحظى بتعاطف عالمي واسع.
“هل يمكن فصل الرياضة عن السياسة؟”
يبقى السؤال الأبرز: هل يمكن فعلاً فصل الرياضة عن السياسة؟
فعلى الرغم من تأكيد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” مراراً ضرورة إبعاد السياسة عن الملاعب، فإن الواقع أثبت صعوبة ذلك، خصوصاً بعد استبعاد روسيا ومنتخباتها من بطولات دولية عقب الحرب في أوكرانيا، وهو ما اعتبره كثيرون دليلاً على ازدواجية المعايير.
وفي المقابل، تشهد المجتمعات الغربية، ولا سيما بين فئة الشباب، تصاعداً ملحوظاً في التضامن مع الفلسطينيين، سواء عبر احتجاجات الجامعات الأمريكية، أو المسيرات الضخمة في المدن الأوروبية، أو الحملات المتزايدة على منصات التواصل الاجتماعي.
“البرازيل وإسبانيا وتركيا”
ويُطرح اسم كل من البرازيل وإسبانيا وتركيا بوصفها دولاً قد تقود أي مبادرة رمزية داخل البطولة المقبلة.
فالبرازيل تمتلك ثقلاً جماهيرياً هائلاً في عالم كرة القدم، إلى جانب موقف سياسي متعاطف مع الفلسطينيين، عبّر عنه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أكثر من مرة.
أما إسبانيا، فتُعد من أكثر الدول الأوروبية التي شهدت مواقف سياسية وشعبية داعمة لغزة، مع تصاعد انتقادات مسؤولين إسبان للسياسات الإسرائيلية.
في حين تُواصل تركيا وضع القضية الفلسطينية ضمن أولويات خطابها السياسي والدبلوماسي، وسط دعم شعبي واسع للفلسطينيين، ومواقف متكررة للرئيس رجب طيب أردوغان ضد السياسات الإسرائيلية.
“رموز إنسانية جامعة”
ويقترح مؤيدو الفكرة استخدام رموز تحمل دلالات إنسانية عامة، مثل ألوان العلم الفلسطيني، أو شجرة الزيتون، أو شريحة البطيخ، أو المفتاح، بوصفها رموزاً مرتبطة بالسلام والهوية والحق الإنساني.
ومع اقتراب مونديال 2026، تبدو كرة القدم مرة أخرى أمام اختبار جديد لدورها خارج المستطيل الأخضر. فإذا حمل اللاعبون شارات تعبّر عن التضامن مع الفلسطينيين، فإن الرسالة – بحسب أصحاب هذا الطرح – لن تُقرأ باعتبارها موقفاً سياسياً بقدر ما ستكون تعبيراً عن ضمير إنساني عالمي.
ففي النهاية، تبقى كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، وربما يكون المشهد الأبرز في المونديال المقبل ليس هدفاً حاسماً، بل رمزاً صغيراً يجمع لاعبين من دول مختلفة تحت عنوان واحد: الإنسانية.






