
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ألقت بظلال غالبيتها سلبية على الاقتصادات الإفريقية - المؤشرات السلبية أبرزها حالة التباطؤ الحاد في النمو وتصاعد معدلات التضخم - خفض صندوق النقد الدولي تقديرات النمو لعام 2026، وتراجعت التوقعات بنسب متفاوتة في أنحاء القارة - المحلل الاقتصادي المغربي زكرياء أقنوش: الحرب ساهمت في ارتفاع فوري في تكلفة برميل النفط وهو ما يترجم في إفريقيا إلى زيادة مضاعفة بأسعار المحروقات
ألقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها بظلال على الاقتصادات الإفريقية، وانعكست بمؤشرات سلبية، لعل أبرزها حالة التباطؤ الحاد في النمو وتصاعد معدلات التضخم، وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة.
وبينما تواجه الدول الإفريقية المستوردة للنفط ضغوطًا متصاعدة على احتياطيات النقد الأجنبي وأسعار الوقود، يحذر خبراء ومنظمات دولية من تداعيات قد تمتد إلى الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي بالقارة.
وخفض صندوق النقد الدولي تقديرات النمو الاقتصادي لعام 2026، إذ هوت التوقعات في شمال إفريقيا من 3.9 بالمئة إلى 1.1 بالمئة، وتراجعت في إفريقيا جنوب الصحراء إلى 4.3 بالمئة، أقل بنحو 0.3 نقطة مئوية من توقعات ما قبل الحرب، نتيجة تعطل سلاسل الإمداد العالمية والقفزات الجنونية في أسعار الأسمدة وتكاليف الشحن.
وتتباين حدة التأثر بين الدول المستوردة للنفط التي تواجه شبح "الركود التضخمي" (ارتفاع الأسعار وسط ضعف في الطلب)، وبين بعض الدول الساحلية التي قد تستفيد نسبيا من تحول مسارات الملاحة الدولية.
"ضريبة قسرية"
وتشهد الأسواق العالمية تقلبات كبيرة نتيجة الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران والتي ساهمت في ارتفاع أسعار النفط ومستويات التضخم.
وقال المحلل الاقتصادي المغربي، زكرياء أقنوش، إن القارة الإفريقية لم تبق بمنأى عن التداعيات المالية والاقتصادية إثر إغلاق مضيق هرمز.
وفي حديث مع الأناضول، أكد أقنوش، الباحث في الشأن الافريقي، أن القارة السمراء أمام "تشابك عضوي" في المصالح الاقتصادية يجعل أي "شرارة" في مضيق هرمز تنتقل إلى أسواقها.
وأوضح أن الحرب ساهمت في ارتفاع فوري في تكلفة برميل النفط، وهو ما يترجم في إفريقيا إلى زيادة مضاعفة في أسعار المحروقات.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة ببعض الدول الإفريقية وصل إلى 40 بالمئة، واصفا ذلك بـ"الضريبة القسرية التي تفرض على المواطن الإفريقي".
تداعيات مالية
ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن الدول المستوردة للنفط تجد نفسها مضطرة لاستنزاف احتياطي العملة الصعبة (النقد الأجنبي)، ما يؤدي إلى انهيار قيمة العملات المحلية أمام الدولار، ويساهم في تداعيات اجتماعية سلبية بينها ارتفاع معدلات الفقر.
وأشار إلى أن شرارة التداعيات المالية شملت بعض الدول المصدرة للنفط مثل نيجيريا وأنغولا وليبيا بسبب اعتمادها على تصدير النفط الخام، بدل تصديره مشتقاته بعد عملية التكرير.
ولفت إلى أن "هذا الخلل الهيكلي يجعل من زيادة الأسعار عبئا على الميزانية العامة بسبب تضخم فاتورة دعم الوقود الاجتماعي، ما يجهض أي محاولة للتنمية الحقيقية".
وأكد ضرورة الاستثمار في قطاع التكرير من أجل رفع عائدات الصادرات.
وقال معهد واشنطن للشرق الأدنى (مركز بحث أمريكي غير حكومي) إن ثمة تداعيات قد تطال دول غرب القارة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
وأضاف المعهد، في تقرير صادر في أبريل/ نيسان الماضي، أن هذه الدول تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية، مما يعرضها لتقلبات أسعار الغذاء.
ولفت إلى أن "تفاقم عجز الميزانيات وارتفاع التضخم قد يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي".
زراعة مهددة
وتتزامن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع موسم الزراعة في الكثير من الدول الإفريقية، ما يسبب ارتفاع الطلب على الأسمدة.
وقال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير في أبريل/ نيسان الماضي، إن الحرب على إيران "ستؤثر على الإنتاج الزراعي، ما يزيد من مخاطر الوصول إلى مستويات الأزمة والطوارئ من انعدام الأمن الغذائي، خاصة لدى الأسر منخفضة الدخل والاقتصادات المعتمدة على الواردات".
كما حذر برنامج الأغذية العالمي التابعة للأمم المتحدة، في بيان في أبريل الماضي، من مواجهة 45 مليون شخص إضافي حول العالم خطر الجوع الحاد، خاصة مع تزامن الحرب مع نقص حاد في تمويل خدمات الإغاثة".
وحذر الباحث المغربي من تفاقم تداعيات الحرب على القطاع الزراعي بالقارة، في ظل اعتماد الكثير من الدول على الزراعة.
وأوضح أقنوش أن مضيق هرمز يعتبر مصدرا رئيسيا للغاز الطبيعي المسال الضروري لصناعة الأسمدة النيتروجينية، وأن توقف الإمدادات أو ارتفاع أسعارها عالميا يعني أن الفلاح الإفريقي سيعجز عن تسميد أرضه.
وتوقع تراجع الإنتاجية الزراعية بنسب قد تصل إلى ما بين 20 و30 بالمئة بسبب نقص الأسمدة، "ما سيؤدي إلى فجوة غذائية لا يمكن سدها بالاستيراد، لأن أسعار الغذاء العالمية ستكون قد بلغت مستويات قياسية".
واعتبر أن تضرر القطاع الزراعي سيساهم في هجرة ريفية قسرية نحو المدن، مما يخلق بؤرا للتوتر الاجتماعي والسياسي، ويهدد بظهور مؤشرات المجاعة.
تكامل واكتفاء ذاتي
وأكد الباحث المغربي على ضرورة إسراع الدول الإفريقية في اعتماد برامج للحد من تداعيات تضرر إمدادات الطاقة وانعكاساتها على مختلف القطاعات.
وشدد على ضرورة إعلان "حالة طوارئ صناعية" لتوطين صناعة الأسمدة وتكرير النفط.
وأضاف أن وجود الفوسفات في المغرب والغاز في الجزائر ونيجيريا "يجب أن يتحول إلى كتلة إنتاجية قارية تضمن الاكتفاء الذاتي بعيدا عن تقلبات الممرات المائية الدولية".
وتابع: "حان الوقت لتفعيل التجارة بالعملات المحلية أو عبر نظام المقايضة الذكي، مثل النفط مقابل الغذاء، أو الغاز مقابل المعادن".
ودعا إلى الحد من التبعية للدولار في التجارة البينية الإفريقية "كدرع ضد الصدمات النقدية الناتجة عن حروب القوى الكبرى".
واعتبر أن الاستثمار في الطاقة المتجددة ضرورة ملحة، عبر تسريع الانتقال إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتأمين الأمن الطاقي.
ولفت إلي أن "الحرب على إيران ليست مجرد صراع إقليمي، بل هي نقطة تحول تاريخية تفرض على إفريقيا أن تختار بين البقاء كضحية جانبية للعولمة المضطربة، أو البروز كقطب استراتيجي يعتمد على موارده الذاتية".
وأوضح أن "مستقبل القارة يعتمد على مدى قدرة قادتها على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة للتحرر الاقتصادي النهائي من سلاسل التوريد العابرة للقارات".
وفي 28 فبراير/ شباط الماضي، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران، أسفرت عن أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، حسب طهران التي شنت هجمات قتلت وجرحت أمريكيين وإسرائيليين، فضلا عن استهدافها دولا عربية بالمنطقة.
ويخيم جمود على مسار التفاوض الهادف إلى إنهاء الحرب، في ظل هدنة بدأت في 8 أبريل/ نيسان الماضي بوساطة باكستانية.
وإثر تعثر جولة أولى من المفاوضات في إسلام أباد يوم 11 أبريل، أعلنت واشنطن في 13 من الشهر ذاته فرض حصار على موانئ إيران، بما فيها الموجودة على مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، فردت طهران بمنع المرور منه دون تنسيق معها.






