التضخم الناتج عن الحرب.. كيف تُصدر القوى الكبرى أزماتها إلى العالم؟

22:4629/04/2026, Çarşamba
يني شفق
التضخم الناتج عن الحرب: كيف تُصدر القوى الكبرى أزماتها إلى العالم؟
التضخم الناتج عن الحرب: كيف تُصدر القوى الكبرى أزماتها إلى العالم؟

حين تتحول الحرب إلى غلاء عالمي: من يدفع الثمن الحقيقي؟

إن تكلفة الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل لا تبقى ضمن حدودهما الوطنية، بل تُوزَّع على شعوب العالم في صورة غلاء معيشة مُعولم. ولهذا فإن «التضخم الناتج عن الحرب» (Warflation) ليس مجرد مفهوم اقتصادي، بل هو مصطلح يعبّر عن تصدير التكاليف الإمبريالية.

د. يونس إمره أيدن باش – جامعة أنقرة حاجي بيرم ولي


لم تقتصر العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير 2026 على زعزعة الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط فحسب، بل هزّت أيضًا الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. ففي الأسبوع الرابع من العملية، وجد العالم نفسه أمام صدمة طاقة تفوق حتى أزمات النفط التي شهدتها سبعينيات القرن الماضي. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية هذه الأزمة بأنها «أشد من مجموع أزمات السبعينيات وحرب أوكرانيا». ويُحتّم هذا الواقع إدخال مفهوم جديد إلى الأدبيات الاقتصادية، هو: التضخم الناتج عن الحرب.


ما هو التضخم الناتج عن الحرب؟

يشير هذا المفهوم إلى حالة اقتصادية مركّبة تنشأ عن تلاقي صدمات تضخمية في جانب العرض، ناجمة عن النزاعات الجيوسياسية، مع توسع مصطنع في الطلب يتم تمويله عبر الإنفاق الحربي. وعلى خلاف الركود التضخمي الكلاسيكي، تسعى الدولة في هذه الحالة إلى إبقاء الاقتصاد نشطًا بشكل مصطنع عبر الاقتراض وطباعة النقود، بينما تُحمَّل الضغوط التضخمية الناتجة عن صدمات العرض على كاهل المجتمع. وهكذا يتسع نطاق الفقر.


تعمل هذه الآلية على النحو الآتي: ترتفع أسعار النفط، وتزداد تكاليف الإنتاج، وتتآكل الأجور الحقيقية، إلا أن الدولة تُبقي الطلب قائمًا عبر الإنفاق الحربي، مما يؤدي إلى تشويه المؤشرات الاقتصادية. وفي المحصلة، يحقق رأس المال مكاسب من اقتصاد الحرب، بينما تتحمل شرائح واسعة من المجتمع تكاليفه.


صدمة الطاقة العالمية وأبعادها

أدى تعطل المرور عبر مضيق هرمز إلى خروج نحو 20% من إمدادات النفط العالمية من السوق. وقفز سعر خام برنت من 68 دولارًا قبل الحرب إلى 120 دولارًا في منتصف مارس، بزيادة تجاوزت 40%، في واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في التاريخ. كما انخفض إنتاج الشرق الأوسط اليومي من النفط من 21 مليون برميل إلى 14 مليونًا.


وأعلنت شركة قطر للطاقة حالة «القوة القاهرة» في صادرات الغاز الطبيعي المسال، ما يعني تعليق أو عرقلة الالتزامات التعاقدية مؤقتًا دون عقوبات بسبب ظروف خارجة عن السيطرة، كالحروب أو الكوارث أو الأعطال الكبرى. وفي أوروبا، تضاعفت أسعار الغاز خلال أسبوع لتتجاوز 60 يورو لكل ميغاواط/ساعة. وحتى قرار الإفراج عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية لم ينجح في تهدئة الأسواق.


قدرة الحرب الاحتكارية على الاختراق

تجاوز الدين القومي الأمريكي 39 تريليون دولار، وبلغت مدفوعات الفائدة في الربع الأول من السنة المالية 2026 نحو 270 مليار دولار، متجاوزة الإنفاق الدفاعي. وتتراوح التكلفة اليومية للعمليات ضد إيران بين 900 مليون و1.2 مليار دولار، ما يعكس هشاشة البنية المالية الأمريكية.


أما إسرائيل، فقد بلغت تكلفة حروبها بين 2023 و2025 نحو 57 مليار دولار (أي 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي)، مع ارتفاع ميزانية الدفاع إلى 48 مليار دولار، واقتراب نسبة الدين إلى الناتج من 70%. غير أن هذه التكلفة لا يتحملها دافعو الضرائب الإسرائيليون وحدهم، بل يتحملها أيضًا المستهلكون حول العالم. إذ تنقل الشركات العالمية الداعمة تكلفة الحرب إلى المستهلك عبر رفع أسعار المنتجات، من القهوة إلى الشوكولاتة، ومن المنظفات إلى المثلجات، مستفيدة من قوتها الاحتكارية في العديد من الأسواق.


ورغم أن هذه الآلية لا تحظى بحضور واضح في النظريات الاقتصادية الكلاسيكية، فإنه ينبغي التعامل معها بوصفها أحد السمات المميزة لـ«التضخم الناتج عن الحرب» في العصر الحديث. وهنا تبرز آلية يمكن تسميتها بـ«قابلية اختراق الحرب الاحتكارية»، حيث تقوم الشركات متعددة الجنسيات بتحميل تكاليف الطاقة واللوجستيات والتمويل على الأسعار العالمية، مستفيدة من بنيتها الاحتكارية (الأوليغوبولية). وبذلك، يصبح المستهلكون طرفًا غير مباشر في تمويل الحرب. ومن هذا المنطلق، لا تُعد المقاطعة مجرد موقف أخلاقي، بل أيضًا وسيلة دفاع اقتصادية وإنسانية.


تأثيرات التضخم الناتج عن الحرب على تركيا

نظرًا لاعتمادها الكبير على استيراد الطاقة، تُعد تركيا من أكثر الدول تأثرًا بهذه الظاهرة. فكل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط ترفع العجز الجاري بنحو 7 مليارات دولار، وتضيف 1.6 نقطة مئوية إلى التضخم. وقد يصل التضخم بنهاية عام 2026 إلى نحو 40%، مع احتمال ارتفاع العجز الجاري إلى 55–60 مليار دولار (نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي).


واضطر البنك المركزي إلى وقف خفض أسعار الفائدة، وضخ 25 مليار دولار خلال عشرة أيام لدعم استقرار الأسواق. كما تراجعت الصادرات إلى الخليج بنسبة 40%، وواجه قطاع السياحة تهديدًا كبيرًا بعد سقوط صواريخ قرب مدينة أضنة. كذلك يواجه الأمن الغذائي مخاطر بسبب اضطراب إمدادات الأسمدة الكيميائية القادمة من دول الخليج، مما قد يرفع تكاليف الإنتاج الزراعي.


النموذج الخليجي الهش

تتحمل دول الخليج كلفة باهظة للنزاع. فوفقًا لغولدمان ساكس، قد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي لكل من الكويت وقطر بنسبة تصل إلى 14%، بينما تواجه السعودية انكماشًا بنسبة 3%. كما أدت الهجمات على منشآت تحلية المياه إلى أزمات إنسانية، وتسبب تعطل 70% من واردات الغذاء في ارتفاع أسعار المستهلكين بنسبة تتراوح بين 40% و120%.


وقد تلقت صورة المنطقة باعتبارها «ملاذًا آمنًا للاستثمارات» ضربة قاسية يصعب تعويضها.


المشهد الاقتصادي العالمي

حافظت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) على توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي في عام 2026 عند 2.9%، بينما رفعت توقعاتها للتضخم في الولايات المتحدة إلى 4.2%. كما رفعت غولدمان ساكس احتمال الركود في الولايات المتحدة إلى 30%.


ومن المتوقع أن يتجاوز التضخم في بريطانيا 5%، في حين تقف كل من ألمانيا وإيطاليا على حافة الركود. وتشير تقديرات باركليز إلى أنه في حال استقرار متوسط سعر النفط عند 100 دولار، فإن النمو العالمي سينخفض بمقدار 0.2 نقطة، بينما سيرتفع التضخم بمقدار 0.7 نقطة. كما أن ارتفاع تكاليف الأسمدة قد يؤدي إلى زيادات خطيرة في أسعار الغذاء، خاصة في الدول منخفضة الدخل.


من يدفع الثمن الحقيقي؟

لا يقتصر مفهوم «التضخم الناتج عن الحرب» على كونه مصطلحًا اقتصاديًا، بل هو إطار تحليلي يكشف التكلفة العالمية لمحاولات الحكومات تجاوز أزمات الشرعية عبر اللجوء إلى الحرب. فالحكومات التي تفقد شرعيتها الداخلية والخارجية تلجأ إلى الحرب كوسيلة للهروب من أزماتها، وليس ذلك من قبيل المصادفة.


إن تجاوز مدفوعات الفائدة في الولايات المتحدة لميزانية الدفاع، وإنفاق إسرائيل نحو عُشر ناتجها المحلي الإجمالي على الحرب، يشكلان دليلًا واضحًا على عدم استدامة هذه الاستراتيجية اقتصاديًا.


وأخطر ما في هذه الظاهرة هو إخفاء التكاليف عن الرقابة الديمقراطية؛ إذ يتم تحميل تكاليف الحروب الحالية إلى دافعي الضرائب في المستقبل عبر الاستدانة وطباعة النقود. ومع ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام عالميًا، تنتشر هذه التكاليف إلى شعوب العالم كما لو كانت جائحة.


وهذا الواقع يقوّض بوضوح فكرة العولمة غير المشروطة والاندماج الحتمي. فالسلام الدائم لا يتحقق بمجرد صمت الأسلحة، بل من خلال تحول بنيوي في اقتصاد الحرب.

في النهاية، لا تكون الدول هي الرابح الحقيقي من الحروب، بل الشركات، بينما تتحمل الشعوب دائمًا تكلفتها. فتكلفة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية لا تبقى ضمن الحدود الوطنية، بل تُوزَّع على شعوب العالم في صورة غلاء معيشة مُعولم. ولهذا فإن «التضخم الناتج عن الحرب» ليس مجرد مصطلح اقتصادي، بل توصيف لآلية تصدير التكاليف الإمبريالية.


ترجمة عن الأصل: نرمين صوفو أوغلو

#التضخم
#الحروب
#تركيا
#الاقتصاد العالمي
#الحرب ضد إيران