احذر مما تتمناه!

08:117/04/2026, Salı
تحديث: 30/04/2026, Perşembe
عبدالله مراد أوغلو

يبدو أن إدارة ترامب لم تفكر كثيرًا في نتائج إعلان الحرب على إيران تحت تأثير إغراء إسرائيل. فقد ظنّوا أنهم قادرون على تحقيق النتائج التي يتخيلونها بضربة سيف حاسمة وسريعة. لكن التاريخ معلم قاسٍ، وغالبًا ما يُنسى أن الغرور المقترن بالقوة غير المحدودة كان سبب سقوط العديد من الإمبراطوريات والحضارات. ترامب، الذي دخل في مواجهة مباشرة مع بنيامين نتنياهو خلف الأبواب المغلقة، لم يشعر حتى بالحاجة إلى التشاور مع الحلفاء الأوروبيين. وقد تجاوزت نتائج الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي المشترك إيران، وأصبحت آثاره العالمية

يبدو أن إدارة ترامب لم تفكر كثيرًا في نتائج إعلان الحرب على إيران تحت تأثير إغراء إسرائيل. فقد ظنّوا أنهم قادرون على تحقيق النتائج التي يتخيلونها بضربة سيف حاسمة وسريعة. لكن التاريخ معلم قاسٍ، وغالبًا ما يُنسى أن الغرور المقترن بالقوة غير المحدودة كان سبب سقوط العديد من الإمبراطوريات والحضارات.

ترامب، الذي دخل في مواجهة مباشرة مع بنيامين نتنياهو خلف الأبواب المغلقة، لم يشعر حتى بالحاجة إلى التشاور مع الحلفاء الأوروبيين. وقد تجاوزت نتائج الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي المشترك إيران، وأصبحت آثاره العالمية تتعمق يومًا بعد يوم. كما أن إغلاق مضيق هرمز، رغم أن الأمريكيين لم يرغبوا بهذه الحرب، بدأ يؤثر سلبًا على حياتهم اليومية.


لقد تحولت الحرب على إيران إلى حالة «ارتداد عكسي» جديدة بالنسبة للولايات المتحدة. ومن الواضح أن فكرة تغيير النظام جوًا، أو السيطرة على النفط، أو فرض الاستسلام الكامل لم تتحقق كما كان متوقعًا، وهو ما أربك ترامب بشدة. وربما لهذا السبب بدأ يلوم الحلفاء الأوروبيين ويهينهم ويُحمّلهم مسؤولية عدم المشاركة في حرب إسرائيل.


الولايات المتحدة اليوم عالقة في مفترق طرق ناتج عن التوتر بين «الجمهورية الأمريكية» و«الإمبراطورية الأمريكية». وقد تبدو فكرة «الإمبراطورية» مغرية، لكنها قد تقود إلى الانهيار كما حدث في روما القديمة: ببطء في البداية، ثم فجأة.


ومرة أخرى، سأعود إلى المثال التاريخي الذي أشرت إليه في مقالات سابقة. فقد أضعفت «الحروب البيلوبونيسية» بين أثينا الإمبريالية وإسبرطة العسكرية (431–404 ق.م) القوتين معًا. وبعد حرب طويلة استمرت 27 عامًا، انتصرت إسبرطة في النهاية بينما انهارت أثينا. لكن إسبرطة لم تتمكن من الهيمنة على العالم اليوناني سوى 12 عامًا فقط. وفي تلك المرحلة، كانت مدينة «طيبة» الحليفة لإسبرطة في صعود سريع.


بعد سقوط أثينا كإمبراطورية، تغيّر ميزان القوى في العالم اليوناني، وبدأت صراعات جديدة بين إسبرطة وطيبة. وكانت «معركة مانتينيا» عام 362 ق.م نتيجة لهذا الصراع. وكان أول خلاف بين الطرفين يتعلق بمصير أثينا نفسها؛ فعندما هُزمت أثينا، طالبت طيبة بإبادة سكانها.


كانت أثينا قد ذبحت في عام 416 ق.م الرجال البالغين في مدينة ميلوس، واستعبدت النساء والأطفال. ولذلك طالبت طيبة بمعاملة الأثينيين بالمثل، لكن إسبرطة رفضت، لأنها رأت أن بقاء أثينا ضروري كقوة توازن أمام طيبة.


وقد كتب الجنرال الأثيني ثوسيديدس، شاهد «الحروب البيلوبونيسية»، تاريخ الحرب من 431 إلى 411 ق.م. أما المؤرخ الأثيني إكسينوفون فقد تابع روايته في كتابه «الهيلينيكا»، وصولًا إلى «معركة مانتينيا».


ويشير إكسينوفون إلى أنه بعد هذه المعركة حدث ما لم يكن يتوقعه اليونانيون: فقد انقسم العالم اليوناني إلى معسكرين حول إسبرطة وطيبة، وأصبح كل طرف عدوًا للآخر. وكان الجميع يعلم أن المهزوم سيخضع للمنتصر.


ويقول إكسينوفون:


إن «الإله نصب لهم فخًا عجيبًا، إذ إن كلا الطرفين أقام نصب نصر كما لو أنه انتصر، ولم يمنع أحدهما الآخر. وكلاهما سلّم الجثث كما لو أنه انتصر، واستلمها كما لو أنه انهزم. ومع ذلك، لم يحقق أي منهما أرضًا أو مدينة جديدة، ولم يكتسب تفوقًا استراتيجيًا مقارنة بما كان قبل الحرب. وبعد هذه الحرب، سادت الفوضى والاضطراب في اليونان أكثر من السابق».


هذه كانت خاتمة إكسينوفون. وخلال 25 عامًا بعد مانتينيا، تفككت المدن اليونانية أمام صعود مملكة مقدونيا في الشمال. وأصبح الملك فيليب الثاني وابنه الإسكندر الأكبر حكّام العالم اليوناني، رغم أن اليونانيين كانوا ينظرون إلى المقدونيين بازدراء ويعتبرونهم «شعبًا غير متحضر».


ومن مفارقات التاريخ أن اليونانيين الذين صدّوا الغزوات الفارسية الهائلة خضعوا لاحقًا للمقدونيين. وبعدهم دخل العالم اليوناني تحت هيمنة روما، ثم «الإمبراطورية الرومانية الشرقية» (بيزنطة)، ثم لاحقًا العثمانيين.


لقد غيّرت محاولة أثينا غزو صقلية بين 415 و413 ق.م مجرى «الحروب البيلوبونيسية» وأدت إلى انهيار الحضارة اليونانية. وكانت هذه بداية سلسلة من النتائج غير المتوقعة التي انطلقت من تلك الحرب.

#إكسينوفون
#مقدونيا
#ترامب
#الحضارة اليونانية